أثارت فاجعة احتراق 10 أطفال في دار الأيتام بالمحمدية إلى جانب مربية تشتغل هناك وإصابة آخرين بحرائق متفاوتة الخطورة، حزناً كبيرا في الجزائر، وتعالت الأصوات المطالبة بتحديد المسؤوليات.
وفي الوقت الذي أفضى فيه التحقيق الأمني الأولي إلى أن الحريق ناجم عن شرارة انطلقت من المكيف الهوائي، إلا أن العديد من المعطيات تكون قد ساهمت في عدم تمكن الأطفال من النجاة.
الباروداج.. دار أيتام بنوافذ “سجن”
ندد رواد مواقع التواصل الاجتماعي بما أسموه “ثقافة الباروداج”، منتقدين وضع قضبان حديدية في مكان النوافذ وإن كانت على حد قولهم تُستخدم للحماية من أخطار الخارج.
ولم تغادر أذهان الجزائريين الصور المنتشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي لأعوان الحماية المدنية وهو يخلعون القضبان لإنقاذ الضحايا.

ونقلت صفحة “الجزائر الآن” تعليقا للكاتب حميد إيزة قال فيه: “نعم الباروداج حمايةٌ من الخطر الخارجي، لكن ماذا لو كان الخطر في الداخل؟، ألن يتحول الحصن المنيع إلى سجنٍ قاتل؟”.
وأضاف: “الباروداج ليس مجرد قضبانٍ حديدية، بل هو أفكارٌ قهرية تأسست على التوجس والوسواس والخوف.”
وكتبت صفحة “أخبار القرية الفلاحية أولاد موسى العطاف ولاية عين الدفلى”: “الموت حق لكن الباروداج جريمة”.
الموت حق لكن الباروداج جريمة
وكتب الأستاذ الجامعي الدكتور بوخشبة: “ثقافة “الباروداج” والغلق العشوائي للنوافذ والشرفات أصبحت منتشرة في كثير من المنازل، قد يكون الهدف منها حماية الأطفال من السقوط أو الحد من السرقة، لكن في حالات الطوارئ قد تتحول هذه الأسلاك والقضبان إلى فخ قاتل يمنع الهروب أو وصول فرق الإنقاذ، فالحادثة الأخيرة، أعادت طرح سؤال مهم حول معايير السلامة في منازلنا، فليس كل ما يُنجز بطريقة “البريكولاج” يضمن الأمان، بل قد يصنع خطراً أكبر من الخطر الذي نحاول تجنبه”.
وانتقد مواطنون وصفحات، ما أسموه بثقافة “الباروداج” ودعوا إلى مراجعتها بمعايير أكثر سلامة.
ماذا عن المعايير العالمية؟
عرّت المأساة الأليمة، واقع معايير السلامة في دور الأيتام بشكل خاص وفي المباني الجزائرية بشكل عام.
فالمعايير العالمية، تسمح باستخدام القضبان الحديدية الحمائية على النوافذ وإن كانت العديد من الدول قد تخلت عنها، ولكن بشرط خضوعها لقيود وشروط سلامة صارمة للغاية.
ويعتبر الخطر الأكبر لقضبان الحماية الثابتة هو أنها قد تتحول إلى مصيدة قاتلة تمنع شاغلي المبنى من الهروب أثناء الحريق، وتعيق دخول رجال الإطفاء للإنقاذ.
وشددت القوانين والمنظمات العالمية على غرار قانون البناء الدولي وقانون سلامة الأرواح الصادر عن الجمعية الوطنية للحماية من الحرائق على ضرورة تحقيق التوازن الدقيق بين الأمن والسلامة من الحرائق.
وتشدد الكودات العالمية للبناء، ومن بينها المادة 1030.5 من كود البناء الدولي (IBC)، على ضرورة ألا تتحول القضبان الحديدية إلى عائق يمنع الأشخاص من الفرار عند اندلاع حريق أو أي حالة طوارئ، خاصة في المباني التي تضم أطفالاً أو أشخاصاً يحتاجون إلى حماية خاصة.
وتنص المعايير على أنه لا يجوز تركيب قضبان حديدية ثابتة بالكامل على نوافذ غرف النوم أو النوافذ المخصصة للإخلاء في حالات الطوارئ، وبدلاً من ذلك، يجب أن تكون القضبان مزودة بآلية تتيح فتحها أو إزالتها بسرعة من الداخل بواسطة مقبض أو زر ميكانيكي.
ويهدف هذا الشرط إلى ضمان إمكانية مغادرة المبنى بسرعة إذا أصبح الباب الرئيسي غير صالح للاستخدام بسبب الحريق أو الدخان.
ومن أهم شروط السلامة أن يتمكن الموجود داخل الغرفة من فتح القضبان بسهولة، من دون استخدام مفتاح أو مفك أو أي أدوات أخرى، ودون الحاجة إلى قوة كبيرة أو معرفة مسبقة بطريقة التشغيل.
وفي المؤسسات التي تضم أطفالاً، مثل دور الأيتام، تؤكد المعايير أن تكون آلية الفتح بسيطة وواضحة، بحيث يستطيع حتى الطفل المذعور تشغيلها بشكل غريزي أثناء الطوارئ.
ولا يقتصر الأمر على فتح القضبان، بل يجب أن توفر بعد فتحها مساحة كافية لعبور شخص بالغ أو رجل إطفاء بكامل تجهيزاته.
وتحدد المعايير الدولية ألا تقل مساحة فتحة الخروج عن 0.53 متر مربع، مع ارتفاع لا يقل عن 61 سنتيمتراً وعرض لا يقل عن 51 سنتيمتراً.
اشتراطات إضافية في دور الأيتام
وتصبح معايير السلامة أكثر صرامة في المرافق التي تؤوي الأطفال، إذ توصي المعايير بعدم استخدام القضبان الحديدية الثابتة في غرف النوم تحت أي ظرف، وإذا كانت هناك حاجة إلى تعزيز الأمن ضد الاقتحام، فينبغي اعتماد قضبان يمكن فتحها ميكانيكياً من الداخل.
كما توصي المباني الحديثة بربط القضبان بنظام إنذار الحريق، بحيث تنفتح تلقائياً عند تشغيل الإنذار أو عند انقطاع التيار الكهربائي، مما يسهّل عملية الإخلاء ويقلل من مخاطر احتجاز الأشخاص داخل المبنى.
بدائل أكثر أماناً
تشير المعايير العالمية، أيضاً إلى وجود حلول حديثة تغني عن القضبان الحديدية، أبرزها استخدام الزجاج المصفح المقاوم للصدمات والكسر، الذي يوفر حماية من الاقتحام الخارجي دون أن يشكل عائقاً أمام عمليات الإخلاء في حالات الطوارئ.
وفي حال اعتماد القضبان القابلة للفتح، تؤكد المعايير أهمية تدريب الأطفال والمشرفين بشكل دوري على كيفية استخدامها، وإدراج ذلك ضمن خطط الإخلاء، لضمان سرعة التصرف عند وقوع أي حادث.
هل تراجع السلطات مخططات الوقائية؟
خسر الجزائريون أطفالا حُرموا من أبسط حقوقهم، وهو الحق في الحياة، في مأساة ستظل محفورة في الذاكرة الجماعية لسنوات طويلة.
لكن هذه الفاجعة، على قسوتها، قد تتحول إلى نقطة تحول حقيقية إذا دفعت إلى مراجعة شاملة لمنظومة الوقاية والسلامة داخل المباني والمؤسسات الحساسة، والانتقال من حلول أمنية تقليدية، مثل القضبان الحديدية الثابتة “الباروداج”، إلى معايير حديثة توازن بين الحماية من الأخطار الخارجية وضمان حق الإنسان في النجاة عند الطوارئ.
فتكريم الضحايا لا يكون بالرثاء وحده، بل باستخلاص الدروس واتخاذ إجراءات تمنع تكرار المأساة.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين