عبرت مجموعة “لا لقتل النساء – الجزائر” والمؤسسة من أجل ترقية الحقوق عن بالغ استنكارهما وألمهما وغضبهما عقب جريمة قتل الطفلة القاصر أسماء أميمة، البالغة من العمر 15 سنة، بولاية الشلف، بتاريخ 26 جانفي 2026، في قضية أثارت صدمة واسعة وجددت النقاش حول العنف الأسري والعنف القائم على النوع الاجتماعي في الجزائر.
مأساة العنف الأسري المتكررة
تعود وقائع الجريمة، بحسب ما أكدته الجهتان، إلى إقدام والد الضحية على قتلها باستعمال أداة فلاحية حادة “مذراة”، بعد سنوات من العنف المبرح الذي كانت تتعرض له داخل محيطها الأسري، ورغم تبليغها المتكرر عن الخطر الذي يهدد حياتها وصرخاتها التي لم تلق استجابة فعالة.
وأكدت المنظمتان أن هذه الجريمة لا يمكن التعامل معها باعتبارها حادثا عرضيا أو مأساة عائلية معزولة، بل تعكس، وفق تعبيرهما، عواقب خطيرة لتراكم العنف القائم على النوع الاجتماعي، خاصة عندما يحدث داخل الفضاء الأسري الذي يفترض أن يكون مصدر حماية وأمان.
وفي هذا السياق، شددت الجهتان على أن العنف الأسري لا ينشأ فجأة، بل يتطور تدريجيا عبر أنماط متكررة من التخويف والتحكم والعزلة والتهديد، غالبا ما تكون مصحوبة بنداءات استغاثة وإشارات واضحة كان يفترض أن تقابل باستجابات فورية وجدية.
وأبرزتا أن طلب الحماية، خصوصًا عندما يصدر عن طفلة، لا ينبغي أن يواجه بمنطق “إعادة السلم الأسري”، بل بإجراءات وقائية تمنع وقوع ما لا يمكن تداركه.
ورفضت المنظمتان اختزال القضية في موجة تعاطف ظرفية أو في تداول تفاصيل صادمة، معتبرتين أن جوهر الإشكال أعمق ويتعلق بخلل بنيوي في منظومة الوقاية والتكفل.
وأشارتا إلى أنه منذ سنة 2018 تم إحصاء أكثر من 394 جريمة قتل للنساء في الجزائر، في مؤشر مقلق على تصاعد العنف القائم على النوع الاجتماعي، وعلى وجود نساء وفتيات يعشن تحت التهديد ويحاولن طلب الحماية دون أن يحصلن دائما على استجابة سريعة ومنسقة وفعالة.
وأكد البيان أن جرائم قتل النساء لا تمثل فقط الفعل الإجرامي النهائي، بل هي نتيجة مسار تصاعدي من العنف تغذيه عوامل متعددة، من بينها التطبيع مع العنف، والصمت، ولوم الضحايا، والضغوط الاجتماعية الرامية إلى “الحفاظ على الأسرة”، إضافة إلى ضعف آليات الحماية والتدخل المبكر.
مطالب حقوقية وإجراءات مقترحة
اعتبرت المنظمتان أن حماية حياة النساء والفتيات وسلامتهن الجسدية تشكل التزاما أساسيا للدولة ومؤشرا جوهريا على احترام دولة القانون.
كما شددتا على رفض استخدام مفهوم “الأسرة” كذريعة لإسقاط واجب الحماية عندما تتحول إلى مصدر تهديد، مؤكدتين أن المكانة الاجتماعية أو النفوذ أو ضغوط المحيط لا يمكن أن تبرر إعادة الضحية إلى بيئة غير آمنة.
وأبرزتا أن الوقاية من جرائم قتل النساء تستدعي استجابات مؤسساتية واضحة، تقوم على تصديق أقوال الضحايا، والتعامل الجدي مع كل إنذار، وإعطاء الأولوية المطلقة للسلامة، وضمان سلسلة حماية فعالة حتى عندما يكون مرتكب العنف أحد أفراد الأسرة.
وفي تعبير عن التضامن، أعلنت مجموعة “لا لقتل النساء – الجزائر” والمؤسسة من أجل ترقية الحقوق وقوفهما إلى جانب عائلة أسماء أميمة، وكل ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، مؤكدتين التزامهما بإبقاء قضية الفيمينيسيد في صلب النقاش العام باعتبارها شأنا وطنيا يستدعي الوقاية والحماية والعدالة والمساءلة.
ودعت الجهتان، في هذا الإطار، إلى جملة من الإجراءات العاجلة، من بينها تفعيل الحماية الفورية للقاصرات المعرضات للخطر، بما يشمل الإيواء العاجل، والإبعاد الفعلي لمرتكبي العنف، والتفعيل الصارم لآليات حماية الطفولة، إضافة إلى جعل تقييم المخاطر إلزاميًا عند كل إنذار بالعنف الأسري أو العنف ضد النساء، مع ضمان التتبع واتخاذ قرارات فورية قابلة للتنفيذ.
كما طالبتا بإرساء بروتوكولات موحدة وتعزيز التنسيق العملي بين مصالح الأمن والعدالة وقطاعات الصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية، إلى جانب ضمان تكوين متخصص للأعوان والإطارات للتعامل مع الحالات عالية الخطورة، وتحسين استقبال الشكاوى، وتوفير استجابة استعجالية فعالة.
وأكدت المنظمتان على أهمية تعزيز المرافقة النفسية والاجتماعية والقانونية، وتوسيع قدرات الإيواء الآمن، وضمان نشر إحصاءات رسمية دورية وشفافة حول جرائم قتل النساء والعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما يسمح بتوجيه السياسات العمومية على أسس دقيقة.
كما شددتا على ضرورة المساءلة في حال ثبت وجود إخفاقات مؤسساتية في التكفل بالإنذارات وطلبات الحماية.
ودعت الجهتان إلى الاعتراف بالفيمينيسيد كظرف مشدد، وإدراج تعريف قانوني خاص له ضمن المنظومة التشريعية، لتكييف الجرائم على أساس الدافع القائم على النوع الاجتماعي.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين