ثمة شواهد تدل على احتدام الصراع داخل الإدارة الفرنسية حول ملف الجزائر، بين من يريد التصعيد والضغط على الجزائر إلى حد قطع العلاقات معها وتفكيك النفوذ الجزائري في فرنسا حسب رأيهم، ومن يريد إعادة تشغيل قنوات الحوار مع الجزائر والتقليل من الخسائر التي انجرت عن سياسة تعكير الأجواء، وإعادة فتح ملفات التعاون والتنسيق على كل المستويات.
فمن شواهد الفريق الأول، هيجان إعلامي سياسي مبرمج للتنديد بما تخسره فرنسا من موارد جراء الاتفاقيات التي ابرمتها مع الجزائر وعلى رأسها اتفاقية 1968، ففي الأيام الماضية، ناقش النواب الفرنسيون، خلال اجتماع للجنة المالية على مستوى البرلمان الفرنسي تقريرا إعلاميا مقدم بموجب المادة 146 من النظام الداخلي من قبل لجنة المالية والاقتصاد العام والرقابة على الميزانية، بشأن الآثار القانونية والميزانية للاتفاقيات الثنائية المبرمة بشأن التنقل والإقامة والصحة والتوظيف: مثال الجزائر (تشارلز رودويل)، رقم 1963.
خلاصة هذا التقرير الذي أعده النائب رودويل عن كتلة الحزب الرئاسي، تكتنفه مجموعة من المعطيات غير الدقيقة، ومغالطات ديموغرافية وإحصائية، ويشن هجوما لاذعا على الاتفاقية الجزائرية الفرنسية لسنة 1968.
ليدخل الإعلام اليميني المتطرف على الخط، ويستغل محتوى التقرير ليحاول مرة أخرى التنديد بما أسماه بالخنوع الفرنسي أمام الجزائر، والمطالبة بالمزيد من الحزم في مسألة التأشيرات، واستصدار التصاريح القنصلية بالمرور لطرد الجزائريين الذين هم في وضعية غير قانونية، والتشديد في إجراءات الإقامة للجزائريين على التراب الفرنسي.
أما بالنسبة للطرف الثاني، والذي يجنح للتهدئة، يتمثل في رأيي من خلال التعيينات الأخيرة في الطاقم الحكومي الجديد، من خلال تعيين لوران نونييز (Laurent Nuñez)خلفا للوزير اليميني المتطرف برونو روطايو، الذي ألقى بظلال اليمين المتطرف كلها في التعامل مع الشريك التاريخي لفرنسا والمتمثل في الجزائر، وأدت تصريحاته و تدخلاته المفضوحة في بعض الأحيان إلى تفاقم الوضع في العلاقات بين البلدين، إلى أن تجاوز حدود مهامه الوزارية ليتدخل في النشاط الديبلوماسي والرئاسي الفرنسيين في التعامل مع الجزائر.
تعيين جديد، صفحة جديدة؟
تعيين لوران نونييز قد يعد إشارة لانتهاء حقبة الصراع المميت بين البلدين، إذ خلال أولى خرجاته الإعلامية، يشيد بالاتفاقية الجزائرية الفرنسية بأنها جيدة وتفي بالغرض في المرحلة الراهنة، رغم ما يعتريها من نقائص.
فعلى عكس الوزير السابق روطايو الذي كان سياسيا وإيديولوجيا، يريد أن يمكن لحزبه ولتياره واستعطاف أكبر قدر ممكن من الناخبين وإرضاء أيضا لليمين المتطرف الذي هو منه، لوران نونييز تقنوقراطي متمرس وسياسي أيضا، لكن غير محسوب على طيف سياسي معين، غير أنه من اليمين التقليدي.
لوران نونييز رجل استعلامات، سيرته ومهامه السابقة تتماشى تماما مع منصب وزير الداخلية، مما جعله يلح على إعادة فتح قنوات التنسيق الأمني، الذي يعد ملفا كبيرا وشائكا، ولعل هذا الملف يعد ورقة ضغط في يد الجزائريين، ففيه ما يهم الأمن القومي الداخلي لفرنسا، حول الجماعات الإرهابية، وجماعات الإجرام التي تستهدف الأهداف الفرنسية، أو ما يتعلق بالهجرة السرية والاتجار بالبشر، بالإضافة إلى الأمن الخارجي خاصة في دول الساحل وإفريقيا الغربية.
بحكم أن وزير الداخلية الجديد لوران نونييز، رجل متمرس في القضايا الأمنية لأنه كان في فترة سابقة مدير الأمن الداخلي (DGSI) ثم فيما بعد محافظ أمن باريس، وهما منصبان مهمان واستراتيجيان، اكتسب شهرة وخبرة كبيرتين في التعامل مع التهديدات الأمنية الداخلية والخارجية.
وما يعاب على لوران نونييز أنه ضالع في قمع مظاهرات السترات الصفراء، ما يجعله رجل المرحلة عند مراكز القرار، بحكم أن المرحلة الحالية تتسم بعدم الاستقرار وشبح التوترات الاجتماعية يلوح في الأفق.
إشارات لمن يريد فهم كننها
إشارة أخرى اعتبرها ملاحظون بأنها آتية من قصر الإليزيه، وهي إيفاد السفير الفرنسي للمشاركة في تظاهرة لإحياء ذكرى 17 أكتوبر 1961، أقيمت في مدينة بوزون بالضاحية الغربية لباريس، فقد جاء في خبر لراديو في ضواحي باريس، بأنه و بناءً على طلب قصر الإليزيه، شارك السفير الفرنسي لدى الجزائر، ستيفان روماتيه (Stéphane Romatet)، يوم الخميس الماضي في إحياء ذكرى 17 أكتوبر 1961، في بادرة رمزية سعى إليها إيمانويل ماكرون لإحياء الحوار الدبلوماسي المتجمد منذ أشهر بين باريس والجزائر.
وفقًا لمصادر دبلوماسية، يود الرئيس الفرنسي التأكيد على أن “فرنسا لا تنسى هذا اليوم الأسود”، داعيًا إلى “تجاوز الأزمة” التي تعيق العلاقات الفرنسية الجزائرية.
يذكر أن السفير الفرنسي ستيفان روماتي، لا يزال في باريس، بعد استدعائه منذ أبريل 2025، عقب طرد إثني عشر عميلًا فرنسيًا، ولم يستأنف مهامه بعد في الجزائر.
من بوادر التهدئة من الجانب الفرنسي، هو تعيين وزير داخلية ملتزم بتأدية مهامه كوزير داخلية، بحيث أنها لن تعيق العمل الديبلوماسي ولن تشوش على سير العلاقات بين البلدين، وهو ما يتماشى مع التوجه الرئاسي وعمل كي دورسي (وزارة الخارجية)، ولكن يبقى الملف العلاقات الجزائرية الفرنسية مرهونا بالتقلبات السياسية وصراع العصب في أروقة الإدارة الفرنسية، خاصة مع تنامي اليمين المتطرف وضغوط اللوبيات الأخرى.
يبقى أن من الجانب الجزائري، لا وجود لإشارة أو رد فعل الآن، وننتظر ما سيقوم به قصر المرادية في هذا الشأن.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين