منذ انطلاقها في صيف 2025، تحولت قافلة الصمود المغاربي من مبادرة شعبية انطلقت من تونس إلى حراك مغاربي ودولي واسع يسعى إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة وإبقاء القضية الفلسطينية في واجهة الاهتمام الشعبي والإعلامي.

وبين المحاولة البرية الأولى في جوان 2025 والمحاولة الثانية عبر البحر من خلال أسطول الصمود ثم العودة إلى المسار البري في 2026 من خلال قافلة الصمود 2، برز حضور جزائري واضح، لم يقتصر على المشاركة العددية، بل شمل التنظيم والتنسيق والخطاب الإعلامي والمتابعة الميدانية.

من مبادرة تونسية إلى عنوان مغاربي

بدأت القافلة في جوان 2025 كتحرك شعبي باتجاه معبر رفح عبر المسار البري: تونس – ليبيا – مصر، ثم الحدود مع قطاع غزة. ووفق تقارير إعلامية، نظمت المبادرة في بدايتها تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين، وتحركت من تونس في اتجاه الأراضي الليبية وسط حضور شعبي واسع في عدد من المدن التونسية. وذكرت الجزيرة أن القافلة انطلقت من تونس باتجاه معبر رفح عبر الأراضي الليبية والمصرية في خطوة وصفتها بأنها غير مسبوقة وجسدت تضامنًا واسعًا مع غزة.

غير أن القافلة سرعان ما اكتسبت صفتها المغاربية بعد التحاق مشاركين من الجزائر وليبيا وموريتانيا والمغرب ودول أخرى. هنا بدأت المبادرة تتجاوز طابعها المحلي التونسي لتصبح محاولة شعبية عابرة للحدود المغاربية، ترفع شعار كسر الحصار وإيصال الصوت الشعبي إلى غزة.

ومن الناحية السياسية والإعلامية، كان هذا التحول مهمًا لأنه منح المبادرة بعدًا رمزيًا أكبر: شعوب المغرب العربي تتحرك معًا، رغم تعقيدات الحدود والسياسة، في قضية مركزية هي فلسطين.

القافلة الجزائرية.. أكثر من 200 مشارك نحو تونس وليبيا

كان الحضور الجزائري من أبرز عناصر هذا التحول. فقد نقلت “القدس العربي” أن قافلة الصمود القادمة من الجزائر وصلت إلى الأراضي الليبية بعد عبورها تونس والتحاقها بالقافلة التونسية، مشيرة إلى أنها ضمت أكثر من 200 مشارك بين ناشطين ومتطوعين وبرلمانيين ودبلوماسيين. كما ذكرت أن القافلة الجزائرية مرت عبر معبر أم الطبول ثم باجة التونسية وصولًا إلى العاصمة تونس قبل أن تلتحم بالقافلة المتجهة نحو ليبيا.

وفي السياق نفسه، أوردت العربية أن القافلة الجزائرية انطلقت من العاصمة الجزائرية وضمت أكثر من 200 مشارك من ناشطين ونواب برلمانيين ومحامين في طريقها للالتحاق بالتحرك المغاربي باتجاه معبر رفح.

سرت.. العقدة الليبية الأولى

بعد دخول ليبيا عبر معبر رأس جدير، تقدمت القافلة في الغرب الليبي، لكنها اصطدمت عند مدينة سرت بعقبة سياسية وأمنية حاسمة. فهذه المدينة تمثل عمليًا نقطة فاصلة بين مناطق نفوذ غرب ليبيا وشرقها، ما جعل عبور القافلة نحو الحدود المصرية مرتبطًا بتعقيدات الانقسام الليبي وبمواقف سلطات الشرق الليبي.

ونقلت الجزيرة عن أحد المتحدثين باسم القافلة، الجزائري مروان بن قطاية في 16 جوان 2025 قوله إن كل المحاولات للتفاوض مع مصر باءت بالفشل، مضيفًا: “أغلقت أمامنا كل الأبواب”. كما أشار إلى أن القافلة قررت الرباط في مصراتة إلى حين الإفراج عن المعتقلين الذين تم توقيفهم خلال مسارها.

لم تتمكن القافلة البرية الأولى من الوصول إلى مصر أو معبر رفح، لكنها نجحت في فرض نفسها حدثًا سياسيًا وإعلاميًا. فقد كشفت أن الوصول إلى غزة لا يرتبط فقط بتوفر الإرادة الشعبية أو المساعدات، بل يصطدم بشبكة معقدة من السيادة والحدود والتنسيقات الأمنية ومواقف الدول. وهنا تحولت سرت إلى رمز متكرر في قصة القافلة: محطة تقيس حدود التضامن الشعبي عندما يلتقي بالجغرافيا السياسية.

“لم تكسر الحصار لكنها كسرت الصمت”

رغم تعثر المسار البري، حاول قادة المبادرة تقديم ما حدث باعتباره نجاحًا رمزيًا وأخلاقيًا. في تسجيل منسوب إليه، قال مروان بن قطاية بصفته ناطقًا باسم قافلة الصمود إن القافلة لم تكسر الحصار عن غزة، لكنها “كسرت حاجز الصمت والخذلان”.

هذه العبارة تلخص جانبًا أساسيًا من خطاب المبادرة. فالقافلة لم تقدم نفسها كعملية لوجستية فقط، بل كفعل ضغط شعبي وكسر للعجز الرمزي أمام مشاهد الحرب والحصار والمجاعة في غزة. ومن هذه الزاوية، كان الدور الجزائري جزءًا من خطاب أوسع يعتبر أن واجب الشعوب لا ينتهي عند انتظار القرارات الرسمية، بل يمتد إلى التحرك السلمي المنظم.

من البر إلى البحر..

بعد تعثر المسار البري، انتقلت المبادرة إلى خيار البحر. ففي جويلية 2025، بدأ الحديث عن أسطول الصمود المغاربي، ثم ارتبط هذا التحرك لاحقًا بـ أسطول الصمود العالمي الذي جمع مبادرات من بلدان مختلفة. وذكرت وكالة الأناضول أن تنسيقية تونسية أعلنت التحضير لعشرات السفن ضمن أسطول الصمود المغاربي لكسر حصار غزة، وذلك بعد تجربة القافلة البرية التي مُنعت من مواصلة طريقها.

في هذه المرحلة أيضًا كان الحضور الجزائري لافتًا. فقد نقل موقع “الترا جزائر” عن يوسف عجيسة، نائب رئيس اللجنة الدولية لكسر الحصار ونائب رئيس المبادرة الجزائرية لنصرة فلسطين، أن الجزائر شاركت في الأسطول بوفد يضم 80 مشاركًا من مختلف أطياف المجتمع، مشيرًا إلى أن عدد المسجلين كان يمكن أن يكون أكبر لولا قيود السفن والسعة المتاحة.

هذا التطور مهم لأنه يبين أن المشاركة الجزائرية لم تتوقف عند محاولة جوان البرية، بل انتقلت إلى المسار البحري. كما أن اختيار البحر لم يكن مجرد بديل تقني، بل جاء بعد إدراك أن الطريق البري عبر ليبيا ومصر يواجه قيودًا صعبة. وهكذا دخلت المبادرة في مرحلة دولية أكثر وضوحًا، خاصة مع انضمام ناشطين من بلدان عدة ووجود تغطية إعلامية أوسع.

الاعتقال في البحر وحضور الجزائريين

في أكتوبر 2025، اعترضت قوات الاحتلال الإسرائيلي سفنًا من أسطول الصمود واعتقلت مشاركين من جنسيات مختلفة. وذكرت “القدس العربي” أن 17 جزائريًا شاركوا واعتقلوا ضمن الأسطول، موزعين على عدة سفن مثل “أمستردام” و“دير ياسين” و“أداجيو” و“باولا”.

هذه المحطة رسخت الحضور الجزائري في المبادرة على مستوى التضحية الشخصية والمشاركة الميدانية. فالجزائريون لم يكونوا فقط داعمين من بعيد، بل كانوا ضمن الناشطين الذين صعدوا إلى السفن وواجهوا خطر الاعتراض والاعتقال. كما أظهرت هذه المرحلة دور التنسيقيات الجزائرية في المتابعة القانونية والإعلامية لأوضاع المشاركين بعد توقيفهم.

صمود 2.. العودة من الجزائر في 2026

في بداية ماي 2026، عادت المبادرة إلى الواجهة من خلال قافلة الصمود 2، وخلافًا للمحاولة الأولى التي طغى عليها البعد الرمزي والسياسي، بدت النسخة الثانية أكثر وضوحًا من ناحية الطابع الإغاثي. فقد أكد بيان صادر عن Global Sumud Flotilla في 18 ماي 2026 أن المشاركين في القافلة انضموا بإرادتهم الحرة وبقناعة إنسانية راسخة بضرورة إيصال مساعدات عاجلة إلى المدنيين المحاصرين في غزة، مشيرًا إلى أن المساعدات تشمل مواد أساسية وطبية وإغاثية وحليب أطفال وأدوية ومستلزمات صحية وسيارات إسعاف ومركبات وبيوتًا متنقلة.

كما حدث في 2025، اصطدمت قافلة 2026 بالتعقيدات الليبية. فقد أثارت تحركات “قافلة الصمود 2” جدلًا سياسيًا وأمنيًا داخل ليبيا، خصوصًا مع محاولة العبور عبر أراض تخضع لسلطات مختلفة. وذكر موقع “النجاح الإخباري” أن القافلة تضم نحو 300 متضامن من 28 جنسية وتتحرك في مدن غرب ليبيا وسط مرافقة أمنية من قوات تابعة لحكومة الوحدة الوطنية.

قافلة لم تصل بعد.. لكنها غيّرت المعادلة الرمزية

لم تنجح القافلة البرية الأولى في الوصول إلى غزة، كما واجه الأسطول البحري اعتراضًا إسرائيليًا، ولا تزال قافلة 2026 تتحرك وسط تعقيدات سياسية وأمنية. ومع ذلك، فإن الأثر الأبرز لهذه المبادرة لا يقاس فقط بالوصول الجغرافي إلى رفح أو غزة، بل بقدرتها على خلق حدث مغاربي ودولي مستمر حول الحصار.

لقد أعادت قافلة الصمود طرح سؤال بسيط ومحرج: ماذا تستطيع الشعوب أن تفعل عندما تعجز المؤسسات الرسمية أو تتباطأ؟ وكان الجواب، ولو جزئيًا، أن التحرك المدني المنظم قادر على فرض القضية في الإعلام، وإحراج الأطراف المعنية، وبناء روابط عابرة للحدود بين ناشطين من الجزائر وتونس وليبيا والمغرب وموريتانيا ودول أخرى.

بالنسبة للجزائر، حملت القافلة معنى خاصًا. فقد أعادت تأكيد حضور فلسطين في الوجدان الشعبي الجزائري، لكنها قدمت أيضًا نموذجًا جديدًا للتحرك: ليس فقط مسيرات وبيانات، بل قوافل ووفود وسفن ومشاركة ميدانية وتنسيق قانوني وإعلامي. ومن خلال شخصيات مثل مروان بن قطاية، انتقل الدور الجزائري من الدعم المعنوي إلى المشاركة في صياغة مسار المبادرة نفسها.