منحت الشبكة العنكبوتية لروادها منبرا يمكّنهم من الخوض في الشأن الديني، ليتحول بعض “صنّاع المحتوى” إلى مفتيين يحلّلون ويُحرمون، رغم عدم أهليتهم.

ومع انتشار هذه الظاهرة بشكل ملحوظ مؤخرا، وجه نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني سليمان زرقاني، سؤالا برلمانيا لوزير الشؤون الدينية بهذا الخصوص.

كما تحدث سليمان زرقاني في تصريح خصّ به منصة “أوراس” عن خطورة هذه الظاهرة وتداعياتها.

البرلمان يدخل على الخط

ورغم أن هذه الظاهرة ليست مناسبتية وانتشرت بشكل واسع في الآونة الأخيرة، إلا أنه تزامنا مع عيد الفطر، فضّل بعض “صناع المحتوى” نشر فتاوى عبر منصات “تيك توك” و”فيسبوك” وغيرها بهذا الخصوص.

وطُرحت ظاهرة “فوضى الفتوى” مثلما وصفها النائب البرلماني سليمان زرقاني، داخل قبة المجلس الشعبي الوطني.

وسأل النائب ذاته، وزير الشؤون الدينية يوسف بلمهدي، حول الإجراءات الفعالة التي اتخذتها الوزارة لحماية المرجعية الدينية ومنع التعدي على اختصاصات الهيئات الدينية الرسمية في إصدار الفتاوى، وكذا عن خطة الوصاية لتنظيم عملية الإفتاء بشكل قانوني ومؤسساتي.

وتابع: “كيف تعتزم الوزارة تعزيز الوعي المجتمعي بضرورة الرجوع إلى المؤسسات الدينية المعتمدة، وتحصين الشباب من الفتاوى المشبوهة أو المُضللة؟”.

من جتهته، كان النائب البرلماني عبد القادر عزيز، قد أثار في وقت سابق، قضية “فوضى المرجعية الدينية في الجزائر”.

وقال: “هناك فوضى كبيرة في المرجعية الدينية الجزائرية.

وذهب النائب إلى أبعد من ذلك بحديثه عن “فوضى الفتاوى”، مذكّرا بالجدل حول إخراج زكاة الفطر التي باتت تتكرّر كل سنة.

ويرى المتحدث، أنه مثلما ضبط رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الاستيراد من أجل الحفاظ على الاستيراد الوطني، يجب ضبط الفتاوى المستوردة من الخارج.

فتاوى وافدة

قال زرقاني، إن كل من يملك صفحة أو حسابا أصبح يُنصّب نفسه مفتيا للديار، مشيرا إلى أن ظاهرة تقديم بعض صانعي المحتوى لفتاوى دينية خارج إطارات المؤسسات الدينية المعتمدة في الجزائر تشكل تهديدا للمرجعية الدينية الوطنية وتساهم في انتشار الفتاوى الوافدة والفوضى في الإفتاء.

وأبرز نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني سليمان زرقاني، في تصريحات لمنصة “أوراس”، أن الفتاوى “الوافدة” ويمكن تسميتها المستوردة هي تلك التي تصدر خارج الإطار المؤسسي والقانوني الجزائري وتكون برعاية دول وكيانات أو أشخاص لا يهمهم غير أجنداتهم، سواء كانت مستندة إلى مذاهب دينية غير المذهب المالكي الذي تتبناه الجزائر كمرجعية رسمية، أو تلك التي تروج لأفكار متطرفة تتناقض مع ثوابت الأمة وقيم الاعتدال.

في حين أوضح أن الفتاوى “المضلّلة” هي التي تحرف الدين أو تحرف النصوص الشرعية لتخدم أجندات فردية أو فئوية أو تخلط بين الرأي الشخصي والحكم الشرعي دون أدلة معتبرة.

“أفكار هدامة تحت غطاء الاجتهاد”

يقول سليمان زرقاني، إن قضية الفتاوى الوافدة ليست جديدة على النقاش البرلماني إذ أنه تم التطرق إليها سابقا في سياق مكافحة التطرف وتحصين الهوية الوطنية.

وتابع: “لكن الجديد اليوم هو التركيز على البعد الإلكتروني لظاهرة الإفتاء العشوائي، والذي أصبح يشكل تهديدا مباشرا لفئة الشباب بسبب سرعة انتشاره وهذا ما دفعنا إلى طرح الموضوع مجددًا بصورة استثنائية لمواكبة مستجدات العصر”.

وشدد المتحدث، على أن أبرز ما يثير القلق هو “استغلال الدين لتمرير أفكار هدامة تحت غطاء الاجتهادات الفردية”، معتبرا أن هذا الأمر يُضعف الثقة في المؤسسات الدينية الرسمية، ويفكك النسيج المجتمعي.

ولفت زرقاني إلى أن خطورة هذه الظاهرة تكمن في سهولة تداولها عبر المنصات الرقمية دون رقابة، مما يجعلها بيئة خصبة لاستقطاب الشباب نحو التطرف أو الانغلاق الفكري.

ماذا عن دور الوزارة الوصية؟

وبخصوص سؤالنا حول الدور الذي تؤديه وزارة الشؤون الدينية بهذا الخصوص، يرى نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني، أن هذه الأخيرة تبذل جهودا لكنها غير كافية.

وقال زرقاني: “الوزارة تبذل جهودا مشكورة في ترسيخ الهوية الدينية الوطنية لكنها غير كافية وتتعامل مع الموضوع بدون حزم كاف،  خاصة عبر التحديات الرقمية المتسارعة”.

وشدد محدثنا على أن هذا الأمر يتطلب تعزيز الآليات الوقائية والرقابية بشكل استباقي.

وأضاف: “فظاهرة الفتاوى الإلكترونية تستدعي تدابير أكثر صرامة لمواكبة التحول الرقمي، مثل تفعيل شراكات مع منصات التواصل، وإنشاء وحدات متخصصة لرصد المحتوى المخالف”.

ماذا يقول وزير الشؤون الدينية؟

أشرف وزير الشؤون الدينية والأوقاف، يوسف بلمهدي، أمس الثلاثاء، على افتتاح الملتقى الوطني حول “تعزيز المرجعية الدينية الوطنية من خلال الفتوى وترقية التكوين”.

وشدد على هامش هذا الحدث، على أهمية الفتوى في تعزيز المرجعية الدينية والحفاظ على الهوية الوطنية، باعتبارها صمام أمان في وجه الأفكار الدخيلة والهدامة.

وأكد بلمهدي، أن الفتاوى تعد مسألة “مهمة وحساسة” بالنظر إلى “الخطورة التي قد تنجم عنها في حال ما استعملت بشكل خاطئ وزاحمتها أفكار دخيلة”.

وحذّر من “الفتاوى الشاذة والضالة التي تستهدف تدمير الدول الآمنة التي تخطو نحو النماء والازدهار”.

وأشار الوزير، في هذا الصدد، إلى الجهود المبذولة في سبيل حماية المرجعية الدينية، بالاعتماد على تدخلات المشايخ والأئمة عبر مختلف وسائل الإعلام، بالإضافة إلى المنصات الرقمية والرقم الأخضر الخاص بالوزارة.

وفي وقت سابق، أبرز الوزير يوسف بلمهدي، وجود تأطير مؤسساتي علمي في مجال الفتوى، إلى جانب اللجنة الوزارية للفتوى التي تضم “خيرة كبار العلماء وشيوخ الزوايا ورؤساء المجالس العلمية”

وأشار بلمهدي، إلى أن المجالس العلمية الولائية تضم خيرة الأئمة والمفتين المختصين بمشاركة أساتذة جامعيين.

كما نصبت الجزائر 26 إمام مفتي في بعض الولايات مع تنصيب مرتقب لـ32 إمام مفتي.