وجّه عميد مسجد باريس شمس الدين حفيظ، رفقة أسقف الجزائر الكاردينال جان بول فاسكو، نداءً مشتركاً إلى السلطات والشعوب في الجزائر وفرنسا، مؤكدين أن “الأخوة هي الخيار الوحيد لبناء مستقبل متين بين البلدين”.

ونُشر النداء عبر صحيفة “لوموند” الفرنسية في وقت تعرف فيه العلاقات الثنائية أزمة دبلوماسية خانقة.

وشدّد الطرفان على ضرورة تجنيب الشعوب تبعات التوترات السياسية واعتماد خطاب يرسخ قيم المصالحة والسلام.

نحن إخوة

وأكد البيان أن ما يوحد الشعبين أعمق من الخلافات، قائلاً: “نحن إخوة”، وهو موقف يعكس قناعة راسخة بأن الأخوة ليست مجرد شعار، بل تجربة إنسانية متجذرة في التاريخ والانتماءات الدينية والثقافية المشتركة.

وأكدا أن موقفهما لم يأت من فراغ، بل من قناعة عميقة بأن الأخوة ليست شعاراً يُرفع عند الحاجة، وإنما تجربة إنسانية تتغذى من التاريخ الشخصي والجماعي والانتماءات الدينية والثقافية التي جمعت بين الشعبين.

وقد قاد كل واحد منهما طريقه الخاص لجعل صوت الجماعة الإيمانية يتحاور مع المجتمع بأسره.

وأوضح حفيظ وفاسكو أن انتماءهما لفرنسا والجزائر لا ينتقص من هويتهما، بل يجعلهما كاملَي الانتماء إلى كلا الضفتين.

واعتبرا أن وضع الأقليات الدينية في المجتمعات ليس ضعفاً، بل مدرسة تعلم اليقظة وخصوبة اللقاء.

الاختلاف ليس تهديداً

وشددا على أن الاختلاف يشكل فرصة للتكامل لا تهديداً، وأن المواطنة الكاملة لا تعني التخلي عن الإيمان، بل ممارسته بروح المسؤولية والاحترام المتبادل.

وأشار البيان إلى أن الهوية حقيقة حيّة وليست كتلة مغلقة، ورفض الطرفان اعتبار نفسيهما “غرباء” في أي من البلدين، مؤكدين أنهما يمارسان مسؤولياتهما في أوطان ليست غريبة عنهما.

الأخوة في الإنسانية

كما توقف النداء عند مفهوم “الأخوة في الإنسانية”، التي تتجاوز الهوية الدينية والوطنية، لتجعل من كل إنسان أخاً للآخر بصفته مخلوقاً لله الواحد. واستشهد القائمان بشخصية الأمير عبد القادر، رمز الإنسانية المتجذر في الإيمان، حين جسد قيم الكرامة وحماية الأسرى والعدالة.

وأكدا أن الأخوة الحقيقية لا تعرف حدوداً ولا تُختزل في الانتماء العرقي أو الديني، بل تُمارس كرسالة كونية تتطلب شجاعة وصبراً.

وذكّر حفيظ وفاسكو بأنهما ارتديا سابقاً جبة المحاماة، وتعلما أن العدالة تستوجب سماع صوت الجميع، وأن تُمحى أشكال التمييز لتبقى فقط كرامة الإنسان.

وقالا إن هذه التجربة تعيد تذكيرهما اليوم بضرورة الدفاع عن العدالة نفسها في العلاقات بين فرنسا والجزائر، بالصرامة نفسها التي يفرضها القانون أمام القاضي.

وبالعودة إلى الجذور التاريخية للأزمة بين البلدين، أشار النداء إلى أن التوتر الحالي يجد تفسيره في ماضٍ مثقل بالجراح والآلام التي لم تُعالج بالصدق الكافي.

وأوضحا أن غياب كلمات المصالحة في السنوات الماضية حال دون فتح أفق جديد قائم على السكينة، غير أن الفرصة لم تُفقد بعد، إذ لا تزال هناك إمكانية لبناء مستقبل مشترك يقوم على الحقيقة دون إذلال، وعلى المصارحة دون تحريف للذاكرة.

واستحضرا مقولة نيلسون مانديلا: “المصالحة لا تعني النسيان، بل التحرر من أسر الماضي”، في إشارة إلى أن الاعتراف المتوازن بالتاريخ قد يكون جسراً نحو المستقبل.

ودعا حفيظ وفاسكو إلى تجنب تحويل الذاكرة التاريخية إلى ساحة صراع سياسي أو أداة للتوظيف الضيق، مطالبين بخطاب يركّز على ما يوحد الشعبين لا ما يفرقهما. و

أضافا أن خطورة الوضع تكمن في أن يدفع الجزائريون المقيمون في فرنسا أو الفرنسيون في الجزائر ثمن خلافات سياسية لا يد لهم فيها، كما أن المسلمين والمسيحيين في البلدين لا ينبغي أن يتحملوا نتائج تنافس دبلوماسي بين الدولتين.

المستقبل المشترك

وأوضح البيان أن المستقبل المشترك بين الجزائر وفرنسا أهم من حسابات الماضي، وأن مهمة بناء السلام مسؤولية سياسية وروحية وإنسانية يتحملها الجميع.

واستشهد بالكاتب الفرنسي أندريه مالرو: “القرن الحادي والعشرين سيكون روحانياً أو لن يكون”، مضيفين: “إنه سيكون أخوياً أو لن يكون”.

الأخوة عمل يومي

وتوقف القائمان عند معنى الأخوة، موضحين أنها ليست فكرة طوباوية ولا شعاراً مثالياً، بل عمل يومي يتجسد في الانفتاح والالتزام الصادق والانتصار لقيم الحوار والكرامة.

وأكدا أنها أخوة تنبع من الجذور الدينية، وتتوافق مع القيم الجمهورية الفرنسية، وتحوّل التنوع من مصدر خوف إلى مصدر ثراء مشترك.

الطريق الوحيد للمستقبل

وختم البيان بالتأكيد على أن بناء المستقبل يتطلب الصبر والشجاعة، وأن هذا الطريق هو الأجدر لطي صفحات الماضي المؤلم والانطلاق نحو علاقة متينة قائمة على الصداقة والاحترام المتبادل.

وأوضحا أن الأخوة وحدها قادرة على تجاوز الجراح وصياغة عهد جديد بين الجزائر وفرنسا.