صادق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على قانون جديد يُسهّل إعادة الأعمال الفنية المنهوبة خلال فترة الاستعمار، في خطوة اعتُبرت استجابة لمطالب إفريقية متكررة، من بينها مطالب جزائرية مرتبطة بالذاكرة التاريخية.
وأوضح النص المنشور في الجريدة الرسمية الفرنسية أن الحكومة باتت قادرة على إخراج القطع الثقافية من “الملك العام” عبر مرسوم إداري، دون المرور بإجراءات تشريعية معقدة، ما يُسرّع عمليات الاسترداد مقارنة بالسابق.
غير أن القانون يضع شرطًا مهمًا، إذ لا يمكن إخراج أي قطعة تعود لجهة عمومية غير الدولة الفرنسية إلا بعد موافقة تلك الجهة المالكة، ما يُبقي بعض القيود قائمة على عملية الإرجاع.

كما حدد التشريع نطاق التطبيق بين 20 نوفمبر 1815 و23 أفريل 1972، وهي مرحلة تمتد من بداية الإمبراطورية الفرنسية الثانية إلى ما قبل اعتماد اتفاقية اليونسكو الخاصة بحماية الملكيات الثقافية.
ويأتي هذا التحول التشريعي حسب وسائل إعلام فرنسية ليترجم وعدًا انتخابيًا أطلقه ماكرون سنة 2017 في واغادوغو، حين تعهّد بفتح “صفحة جديدة” في العلاقات مع الدول الإفريقية التي خضعت للاستعمار الفرنسي.
ملف الذاكرة الإفريقية
في السياق ذاته، تواصلت مطالب استرجاع الممتلكات المنهوبة من فرنسا، خاصة في إفريقيا، غير أنها اصطدمت سابقًا بعقبات قانونية تتعلق بعدم قابلية المقتنيات العمومية للتفويت، ما فرض اللجوء إلى قوانين خاصة لكل حالة.
وأفادت معطيات برلمانية فرنسية بوجود نحو 12 طلبًا إفريقيًا رسميًا، من بينها طلبات بنين المتعلقة بتمثال «غو»، إلى جانب مطالب جزائرية تخص مقتنيات مرتبطة بالأمير عبد القادر.
الجزائر تتحرك رسميًا
كثّفت الجزائر تحركاتها الرسمية سنة 2024، حيث قدمت قائمة تضم ممتلكات تاريخية محفوظة في مؤسسات فرنسية، مطالبة باسترجاعها نظرًا لقيمتها الرمزية والتاريخية.
وتابع ملف الذاكرة مساره ضمن اللجنة المشتركة الجزائرية الفرنسية، التي تعمل على دراسة الأرشيف والذاكرة، مع الاتفاق على مواصلة النقاشات داخل مجموعة عمل متخصصة.
كما دعت الجزائر إلى عرض ملف الاسترجاع على الرئيس الفرنسي مباشرة، وهي خطوة حظيت بموافقة مبدئية من الجانب الفرنسي مع تحويله إلى مستوى القرار السياسي الأعلى.
نحو معالجة تاريخية للذاكرة
تأمل اللجنة المشتركة أن تفضي هذه الديناميكية إلى مقاربة متوازنة لملف الذاكرة، بما يستجيب لتطلعات الشعبين الجزائري والفرنسي، مع مواصلة توثيق أحداث القرن التاسع عشر بمختلف أبعادها.
وفي السياق ذاته، برزت مبادرات برلمانية فرنسية-جزائرية، حيث طالبت النائبة صبرينة صبايحي بإعادة مدفع “بابا مرزوق”، معتبرة أن العدالة التاريخية لا يمكن أن تُختزل في اتجاه واحد.
ويُعد مدفع «بابا مرزوق» قطعة دفاعية جزائرية بارزة تعود إلى القرن السادس عشر، نُقل إلى فرنسا بعد الاحتلال سنة 1830، وأصبح رمزًا للنقاش حول الممتلكات المنهوبة.
تطورات سابقة في الملف
كانت اللجنة المشتركة قد اتفقت في أول اجتماع لها سنة 2023 على استرجاع ممتلكات الأمير عبد القادر، إلى جانب توثيق شامل للجرائم الاستعمارية خلال القرن التاسع عشر.
كما شمل الاتفاق استرجاع رموز الدولة التي أسسها الأمير عبد القادر، إضافة إلى الرفات والجماجم، مع مواصلة تحديد هوية البقايا البشرية المرتبطة بتلك المرحلة.
وسبق لفرنسا أن أعادت عام 2020 رفات 24 شهيدًا جزائريًا، فيما تواصل الجزائر مطالبها باسترجاع باقي الجماجم المحفوظة في المتاحف لإعادة دفنها وفق الأصول.
الجدير بالذكر أن صدور هذا القانون الفرنسي الجديد تزامن مع زيارة الوزيرة المنتدبة المكلفة بقدامى المحاربين لدى وزيرة الجيوش الفرنسية، أليس روفو، إلى الجزائر، حيث حظيت باستقبال من طرف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.
وخلال هذه الزيارة، ناقشت الوزيرة الفرنسية مع الرئيس تبون ملف الذاكرة بين البلدين، كما تم التطرق إلى عمل اللجنة المشتركة للمؤرخين التي سبق إنشاؤها في إطار معالجة القضايا التاريخية العالقة.
وأكدت المتحدثة أن الرئيس عبد المجيد تبون أعطى موافقته على استئناف عمل هذه اللجنة في أقرب الآجال، بما يسمح بإعادة بعث النقاشات التاريخية بين الجانبين.
وبعد إقرار هذا القانون الجديد في فرنسا، يعود النقاش للواجهة حول ما إذا كانت الجزائر تقترب فعلاً من استرجاع ممتلكاتها الثقافية والتاريخية المنهوبة، أم أن الطريق ما يزال طويلًا ومعقدًا بين الإرادة السياسية والتطبيق العملي.








لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين