قال الدبلوماسي والسفير الجزائري السابق عمار بلاني إن إرسال الجزائر مقاتلات من طراز سو-30 إلى النيجر، مرفقة بطائرة للتزوّد بالوقود جوا، يعكس تحولا في مستوى انخراطها الأمني بمنطقة الساحل، ويحمل ثلاث رسائل رئيسية تتعلق بالتعاون العسكري، وإعادة تشكيل المنظومة الأمنية الإقليمية، وترسيخ العمق الاستراتيجي للجزائر جنوبا.

وأوضح بلاني، في مقال نشره على صفحته في فيسبوك بعنوان “سو-30 في النيجر: الرسائل الثلاث للجزائر”، أن الجزائر أوفدت في 30 أوت، استجابة لطلب سيادي من السلطات النيجرية، دوريتين من مقاتلات سو-30 إلى نيامي، إلى جانب طائرة للتزوّد بالوقود جوا.

ويرى الدبلوماسي السابق أن طبيعة هذا الانتشار تعكس انتقال التعاون الجزائري-النيجري إلى مستوى أكثر مباشرة، خصوصا بعد تسليم الجزائر مروحيات عسكرية للنيجر خلال أوت.

انتقال إلى دعم عملياتي مباشر

وبحسب بلاني، تكمن الرسالة الأولى في مستوى القدرات العسكرية التي اختارت الجزائر نشرها، إذ يتعلق الأمر بمقاتلات ثقيلة مدعومة بوسائل لوجستية تسمح لها بالعمل خارج القواعد المحلية.

واعتبر أن هذا الانتشار يمثل “تغييراً في مستوى الانخراط الجزائري في منطقة الساحل”، مشيرا إلى أن التعاون مع النيجر يتجه نحو دعم عملياتي أكثر مباشرة ومتانة.

الجزائر تعيد رسم حضورها الأمني في الساحل

أما الرسالة الثانية، فتتصل بإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بالنيجر، حيث يرى بلاني أن الجزائر تستفيد من موقعها الجغرافي ومن قدراتها الجوية وخبرتها المباشرة في منطقة الساحل.

ويشير إلى أن قرب الجزائر من النيجر يمنحها هامشا للتحرك السريع، في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب للأدوار الأمنية والعسكرية للقوى الموجودة فيها.

النيجر عمق استراتيجي للجزائر

ويربط بلاني الرسالة الثالثة بالموقع الاستراتيجي للنيجر بالنسبة إلى الجزائر، معتبرا أن استجابة الجزائر السريعة لطلب نيامي تؤكد رغبتها في الحفاظ على دور أمني مستقل في منطقة الساحل.

ويقول إن الجزائر “عازمة على عدم السماح للقوى أو الأطراف الخارجة عن المنطقة بتحديد هندسة المنظومة الأمنية في جوارها الجنوبي”.

ويضيف أن التحرك الجزائري يوجه رسالة مفادها أن الجزائر قادرة على نشر قوة جوية من الصف الأول خارج حدودها وبسرعة، عندما يتم ذلك بناء على طلب دولة مجاورة.

من الدبلوماسية إلى “الدفاع النشط”

وفي قراءته لطبيعة هذا التحول، يرى بلاني أن نشر مقاتلات سو-30 لا يعني بالضرورة تبني الجزائر نهج التدخل الخارجي الدائم، وإنما يعكس ترسيخ مقاربة أمنية جديدة في عمقها الساحلي.

ويكتب أن هذه المقاربة تقوم على دعم استقرار الدول المجاورة بصورة مباشرة، انطلاقا من أن استقرارها يرتبط بصورة مباشرة بالمصالح الأمنية الجزائرية.

وبعد المروحيات التي سُلّمت إلى النيجر في أوت، يعتبر بلاني أن إدخال المقاتلات ضمن هذا التعاون يعكس انتقال هذه المقاربة إلى مستوى عسكري وعملياتي.

ويصف الدبلوماسي السابق هذا التحول بأنه قائم على تبني موقف من “الدفاع النشط”، معتبرا أنه لا يتعارض، وفق قراءته، مع الأحكام الدستورية أو مع الأساس الدبلوماسي القائم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

ويخلص عمار بلاني إلى أن التحرك الجزائري جاء استجابة “للطلب السيادي للسلطات النيجرية”، ما يجعله، بحسب تقديره، في إطار التضامن الإقليمي المرتبط بصورة مباشرة بالأمن الوطني الجزائري.