لم يعد التّعليم العالي في القرن الحادي والعشرين فضاءً محايدًا لإنتاج الشّهادات، بل أصبح أحد أهم أدوات السّيادة الوطنية، ومحدّدًا رئيسًا لمكانة الدّول في سلّم الاقتصاد العالمي؛ ومن هذا المنظور، يكتسي التحوّل العميق الذي شرعت فيه الصّين في منظومتها الجامعية دلالة تتجاوز حدودها الجغرافية، لتطرح أسئلة جوهرية أمام صنّاع القرار في أنظمة تعليمية عديدة، من بينها الجزائر:
أولًا- التحوّل الصّيني: إصلاح بنيوي لا تجميلي
تكشف التّجربة الصينية، كما ورد في تقرير وكالة رويترز (يناير 2025)، عن انتقال واضح من منطق تطوير المناهج إلى إعادة تعريف وظيفة الجامعة ذاتها؛ فالصّين لم تكتفِ بتحديث المحتوى الدّراسي، بل أقدمت على قرارات جذريّة شملت:
- إلغاء أو دمج آلاف التخصّصات التي لم تعد ذات جدوى اقتصادية أو استراتيجية.
- استحداث تخصّصات هندسية وتكنولوجية مرتبطة مباشرة بالثورة الصناعية الرابعة.
- توجيه نسبة معتبرة من الطلبة نحو العلوم والهندسة ضمن تخطيط وطني مركزي.
هذا التحوّل لا يعكس عداءً للمعرفة التقليدية بقدر ما يعبّر عن إعادة ترتيب الأولويات الوطنية، بحيث يصبح التعليم العالي رافعة مباشرة للابتكار الصّناعي والتقدّم التكنولوجي.
ثانيًا- الدرس المركزي: ربط الجامعة بالمشروع الوطني
أهم ما يميّز النّموذج الصّيني هو وضوح الرّؤية:
الجامعة ليست مؤسّسة منعزلة عن الاقتصاد، بل جزء عضوي من المشروع الوطني للنّهضة.
فالتخصّصات الجديدة (كالذّكاء الاصطناعي، الحوسبة الكمومية، الأمن السيبراني، الطّاقة الجديدة…) لم تُنشأ استجابةً لصيحات أكاديمية عابرة، بل بوصفها أدوات استراتيجية لتحقيق: الرّيادة العلمية والتكنولوجية العالمية بحلول 2035 وما بعدها.
في المقابل، تمّ تقليص تخصّصات لم تعد تملك امتدادًا وظيفيًا أو إنتاجيًا واضحًا، مع الإبقاء عليها – في الغالب – في صيغ بحثية أو نخبوية لا جماهيرية.
ثالثًا-أين يقف التّعليم العالي الجزائري من هذا النقاش؟
لا يختلف اثنان على أنّ الجامعة الجزائرية تواجه اليوم إشكالات بنيوية، من أبرزها:
- تضخّم في بعض التخصّصات النّظرية غير المرتبطة بسوق العمل.
- ضعف الصّلة بين البحث العلمي والاقتصاد الوطني.
- اختلال في التوازن بين الكمّ (عدد الطلبة) والكيف (جودة التكوين).
ومن هنا، لا تكمن أهميّة التجربة الصّينية في استنساخها، بل في استلهام منطقها، وطرح أسئلة شجاعة، من قبيل:
- ما التخصّصات التي لم تعد تخدم المشروع التنموي الجزائري؟
- ما المجالات العلمية التي ينبغي الاستثمار فيها خلال العقدين القادمين؟
- كيف يمكن إعادة توجيه الخريطة الجامعية بما يخدم التحول الاقتصادي الوطني؟
رابعًا- التحذير الضروري: لا للتكنولوجيا بلا إنسان
رغم وجاهة التحوّل الصّيني، إلاّ أنّ الجدل الذي أثاره داخل الأوساط الأكاديمية يظلّ مشروعًا، خاصّة ما يتعلّق بتهميش العلوم الإنسانية؛ فالتجارب التّاريخية تؤكّد أنّ التقدم التقني دون وعي ثقافي وأخلاقي قد ينتج مجتمعات عالية الكفاءة، لكنّها هشّة القيم.
بالنسبة للجزائر، يشكّل هذا المعطى فرصة لا تهديدًا:
إذ يمكن تبنّي نموذج توازني، يعيد هيكلة التخصّصات الإنسانية، لا بإلغائها، بل بربطها بقضايا الهويّة، والقيم، والتحوّلات الرقمية، والذّكاء الاصطناعي من منظور إنساني وأخلاقي.
خامسًا- نحو رؤية جزائرية واقعية
إنّ الرّهان الحقيقي أمام صانع القرار في التعليم العالي الجزائري لا يتمثّل في تقليد الصّين أو غيرها، بل في:
- بناء خريطة وطنية للتخصّصات الجامعية مرتبطة بالرّؤية الاقتصادية.
- الانتقال من منطق (فتح التخصّص) إلى منطق (جدوى التخصص).
- تعزيز الشراكة بين الجامعة والمؤسسة الاقتصادية.
- الاستثمار في تكوين الأساتذة والبنية التحتية قبل التوسع الكمي.
تُظهر التجربة الصينية أنّ التعليم العالي لم يعد مجالًا للاطمئنان البيروقراطي، بل ساحة تنافس استراتيجي بين الدّول، ومن لا يُعِدّ اليوم جامعة المستقبل، سيظل غدًا مستهلكًا لمنتجات غيره، علميًا وتقنيًا.
إنّ الجزائر، بما تملكه من رصيد بشري وشبابي، قادرة على خوض هذا التحوّل، شريطة امتلاك الجرأة الفكرية، والرؤية بعيدة المدى، والقدرة على اتخاذ القرار الصّعب في الوقت المناسب.
فكما تقول الحكمة الصينية: (من زرع تعليمًا موجَّهًا للمستقبل، حصد سيادة الغد.)









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين