سجّلت حديقة الحيوانات والتسلية “الوئام المدني” ببن عكنون خلال الأيام القليلة الماضية حدثًا مميزًا، تمثّل في ميلاد خمسة أشبال من الأسد الأبيض النادر، في خطوة تُعدّ إضافة نوعية لجهود الحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض.

ويأتي هذا الإنجاز في إطار المهام التي تضطلع بها المؤسسة في مجال تسيير الحديقة، خاصة ما يتعلق بحماية التنوع البيولوجي وتطوير برامج الإكثار داخل الفضاءات الحيوية، بما يعزز من مكانة الحديقة كمركز للحفاظ على الحيوانات النادرة.

كما تعمل الحديقة، ضمن استراتيجيتها طويلة المدى، على تقليص الاعتماد على استيراد الحيوانات من الخارج، من خلال تشجيع التكاثر المحلي وتوفير الظروف العلمية والبيئية المناسبة لذلك، بما يضمن استدامة التنوع الحيواني.

معجزة جينية

يُعد الأسد الأبيض واحدًا من أندر الكائنات وأكثرها إثارة في عالم الحيوانات، إذ يجمع بين قوة الأسد وهيبته من جهة، ومظهر استثنائي يجعله رمزًا للندرة والجمال من جهة أخرى. ورغم الاعتقاد الشائع بأنه نوع مستقل، إلا أن الحقيقة العلمية تؤكد أنه ليس فصيلة منفصلة، بل حالة وراثية نادرة ضمن الأسود الإفريقية.

ويفسر العلماء اللون الأبيض المميز لهذا الأسد بظاهرة وراثية تُعرف باسم Leucism، وهي طفرة تؤثر على إنتاج صبغة الميلانين المسؤولة عن لون الجلد والفراء. وعلى عكس حالات المهق، يحتفظ الأسد الأبيض بلون طبيعي في العينين والأنف وبعض تفاصيل الوجه، ما يجعله مختلفًا بيولوجيًا عن الحيوانات المهقاء.

ويرتبط وجود الأسد الأبيض طبيعيًا بمنطقة تيمبافاتي في جنوب إفريقيا، حيث ظهر هذا الكائن النادر للمرة الأولى بشكل موثق خلال سبعينيات القرن الماضي، بعد أن ظل لسنوات طويلة جزءًا من الأساطير والمعتقدات المحلية.

وفي عدد من الثقافات الإفريقية، لا يُنظر إلى الأسد الأبيض كحيوان مفترس فقط، بل كرمز روحي يحمل دلالات القوة والنقاء والهيبة.

 وتعتبر بعض المجتمعات المحلية ظهوره علامة مباركة ترتبط بالحماية والكرامة.

ورغم الاعتقاد السابق بأن اللون الأبيض قد يضعف فرصه في الصيد بسبب غياب التمويه، أثبتت الدراسات أن الأسد الأبيض قادر على الصيد والتكيّف مثل الأسود الأخرى، غير أن الخطر الحقيقي الذي يهدد استمراره يبقى مرتبطًا بالنشاط البشري، سواء من خلال الصيد غير المشروع أو استغلاله تجاريًا داخل بعض المرافق السياحية.

وتشير التقديرات إلى أن عدد الأسود البيضاء في العالم لا يتجاوز بضع مئات فقط، يعيش معظمها في حدائق الحيوان والمحميات الخاصة، بينما تبقى أعدادها في البرية محدودة للغاية وتخضع لبرامج مراقبة وحماية مستمرة.

ويظل الأسد الأبيض أحد أكثر الكائنات التي تجسد روعة التنوع البيولوجي، ودليلًا حيًا على قدرة الطبيعة على إنتاج نماذج استثنائية تجمع بين القوة والجمال والندرة.