في تطور يعيد خلط الأوراق في معادلة التفوق الجوي الإقليمي، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية إسقاط طائرة مسيّرة تركية من طراز “أكنجي” تركية الصنع، بعد أن اخترقت المجال الجوي الجزائري لمسافة كيلومترين، على مستوى مدينة تين زاوتين الحدودية، أقصى جنوب البلاد، قادمة من الجانب المالي.
الحادث الذي وقع خلال الأسبوع الثاني من أفريل، أثار اهتمامًا واسعًا في الأوساط العسكرية والإعلامية، لا سيما أنه جاء بعد أسبوعين فقط من سقوط طائرة تابعة للجيش التركي في كردستان العراق، في 16 مارس الماضي.
Interesting footage showing the PKK downing a Turkish Akıncı drone yesterday. The drone operator fought hard to save the aircraft, but ultimately couldn’t recover from the dive due to damage to its control surfaces. pic.twitter.com/lbbFVczxIl
— Woofers (@NotWoofers) March 17, 2025
ورغم أن الطائرة التي أسقطتها الدفاعات الجوية الجزائرية لم تكن مغربية، بل تابعة للجيش المالي، إلا أن التوقيت والسياق المحيط بالحادث يطرحان تساؤلات جدية حول فعالية المسيّرات التركية، في ضوء اعتماد المغرب عليها بشكل متزايد في السنوات الأخيرة لتقوية جناحه العسكري في مواجهة التوترات الإقليمية، خاصة مع الجزائر.
صفقة كبرى.. ورهانات إقليمية
في عام 2021، أبرم المغرب أولى صفقاته مع شركة “بايكار” التركية، لاقتناء 13 طائرة “بيرقدار TB2″، قبل أن يوقّع عقدًا جديدًا العام الماضي للحصول على دفعة من الطائرات المتطورة من طراز “أكنجي”، في صفقة قُدرت قيمتها بـ70 مليون دولار، بحسب تقديرات غير رسمية تداولتها الصحافة المغربية.
ولتأمين حضور استراتيجي طويل الأمد، أسست الشركة التركية فرعًا محليًا لها في الرباط باسم “أطلس ديفنس” (Atlas Defense)، برأسمال قدره 2.5 مليون درهم، ما يعكس حجم الرهان المغربي على هذه التقنية العسكرية لتقوية قدراته الاستخباراتية والقتالية، لا سيما في المناطق الجنوبية ومحيط الصحراء الغربية وحدودها مع الجزائر.
خصائص “أكنجي”
تُعدّ “بيرقدار أكنجي” من أبرز المسيّرات التركية المقاتلة، وتتميّز بقدرات تقنية متطورة تضعها في مصاف الجيل الجديد من الطائرات بدون طيار. إذ يمكنها التحليق لمدّة تصل إلى 24 ساعة متواصلة على ارتفاع يبلغ 40 ألف قدم، وتبلغ حمولتها من الذخائر 1350 كلغ (900 كلغ خارجي و450 داخلي).
وتزن الطائرة 5.5 طن عند الإقلاع، وتعتمد على محركين توربينيين بقوة 450 حصان لكل واحد، مع إمكانية استخدام محركات أخرى محلية الصنع بقوة تتراوح بين 240 و750 حصان. كما تتمتع الطائرة بجناحين بطول 20 مترًا، وهي مزوّدة بنظام طيار آلي ثلاثي ونظام تحكم أوتوماتيكي بالكامل.
ومن بين أبرز ميزاتها قدرتها على تنفيذ هجمات استراتيجية باستخدام صواريخ مثل SOM (كروز)، إضافة إلى تجهيزها برادار AESA محلي الصنع، ونظام تصوير حراري وكاميرات كهروبصرية عالية الدقة، فضلًا عن أنظمة اتصالات تعمل عبر الأقمار الصناعية وأنظمة دعم إلكترونية مدعّمة بـ ذكاء اصطناعي متقدم يمكنه معالجة البيانات واتخاذ قرارات تكتيكية دون الحاجة إلى نظام GPS.
في هذا السياق، يقول الخبير الأمني الجزائري علي روينة: “رغم الإمكانيات الهائلة التي تتمتع بها مسيرة ‘بيرقدار – أكينجي’ من حيث السرعة، والمناورة، والقدرة على التحليق على ارتفاعات عالية، إلا أن الدفاعات الجوية الجزائرية أثبتت قدرتها على رصدها وإسقاطها في وقت قياسي لا يتجاوز 25 ثانية”.
“رهان خاسر للمغرب”
يرى العقيد الجزائري المتقاعد، الذي فضّل عدم كشف هويته، أن حادثة إسقاط “أكنجي” تمثل اختبارًا حاسمًا لفعالية هذه المسيّرة المتطورة، قائلًا: “أكينجي” التي تُعتبر فخر الصناعات الدفاعية التركية، راهن عليها المغرب بشكل كبير لمحاولة خلق نوع من التوازن الجوي مع الجزائر، عبر اقتناء أعداد هامة منها. غير أن هذا الرهان سرعان ما تبخر، بعد نجاح الدفاعات الجوية الجزائرية في إسقاط إحدى هذه الطائرات خلال 30 ثانية فقط من اختراقها المجال الجوي، رغم أنها كانت مسلحة.
#BREAKING #ALGERIA #ALGÉRIE #ARGELIA #Africa #Afrique
🔴 ALGERIA :📹 ALGERIAN AIR DEFENSE UNIT SHOT DOWN AN ARMED RECONNAISSANCE DRONE NEAR TIN ZAOUATINE, LAST NIGHT,
after it had penetrated the airspace (from Mali) for a distance of 2 km. pic.twitter.com/Rl244QugSl
— LW World News 🌏 (@LoveWorld_Peopl) April 1, 2025
وأكد الخبير العسكري الجزائري أن هذا “يؤكد مدى تطور قدرات الردع الجوي الجزائري، وخبرة قوات الدفاع في التعامل مع أحدث التقنيات.” لافتا إلى أن هذا التطور النوعي في قدرة الردع الجوي الجزائرية جعل العديد من الدول تعيد حساباتها بشأن اقتناء “أكينجي”، التي فقدت الكثير من بريقها بعد سقوطها السهل في الجزائر، حسب تعبيره.
وأوضح العقيد أن القوات الجزائرية لم تتعامل بانفعال، بل راقبت تحركات الطائرة المسيّرة على مدى أيام، ودرست نمط طيرانها ونقاط ضعفها، قبل اتخاذ قرار إسقاطها بدقة عالية، وهو ما يعكس مستوى احترافيًا عاليًا في تقدير التهديدات والرد المناسب.
من جهته، أكد الخبير الأمني علي روينة في حديثه لمنصة “أوراس”، أن الحادثة كشفت قدرة استثنائية لقوات الدفاع الجوي الجزائرية في التعامل مع التهديدات الجوية الحديثة، حتى تلك التي تتمتع بتقنيات متقدمة كالتي تتميز بها المسيرة التركية.
وأضاف: “إن ما تحقق في هذه الحادثة يعد دليلاً على أن الجزائر لا تقتصر على بناء جيش دفاعي قوي فحسب، بل أيضاً على تسخير أحدث التقنيات المتطورة للحفاظ على أمنها الوطني”.
واختتم الخبير تصريحاته لأوراس بالقول: “من الواضح أن الجار الغربي قد أخطأ في تقديراته حين راهن على فعالية المسيرة التركية في مواجهة الدفاعات الجوية الجزائرية. هذه الحادثة أثبتت عدم جدوى رهاناته على هذه التقنيات الحديثة في مواجهة الجيش الوطني الجزائري”.
“المسيّرات لا تصنع التوازن”
من جانبه، يرى الصحفي والمحلل العسكري أكرم خريف، مؤسس موقع “مينا ديفانس” المتخصص في شؤون الدفاع بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن المسيّرات التركية التي يراهن عليها المغرب، لا يمكن اعتبارها حلاً حاسمًا في المواجهات عالية المستوى.
وفي تصريح لموقع “أوراس”، قال خريف: “نجاعة ‘أكنجي’ تبرز فقط أمام جيوش ضعيفة تفتقر لسلاح جو متكامل مثل ليبيا أو في ساحات محدودة مثل سوريا. الجزائر تمتلك أحد أقوى أنظمة الدفاع الجوي في العالم، وتستطيع التصدي لهجمات جوية منظمة”.
ويرى خريف أن لجوء المغرب إلى شراء هذه المسيّرات يرجع إلى ضعف قدرته الجوية التقليدية، مشيرًا إلى أن استخدامها يقتصر أساسًا على مراقبة مناطق الصحراء الغربية وتعقّب تحركات جبهة البوليساريو، دون أن تحدث تغييرًا حقيقيًا في موازين القوى العسكرية في المنطقة.
في ضوء هذه التطورات، يرى مراقبون أن المغرب قد يجد نفسه مطالبًا بمراجعة رهاناته التكنولوجية والعسكرية، خصوصًا مع تراجع بريق الطائرات المسيّرة التركية في ميادين المواجهة المعقدة. أما الجزائر –حسب مختصين-، فقد وجّهت رسالة واضحة إلى محيطها الجغرافي والدولي بأنها تراقب وترد في اللحظة المناسبة، وبدقة.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين