في كل عام، ومع حلول الثاني عشر من يناير، يستعيد الجزائريون واحدة من أعرق محطات ذاكرتهم الجماعية: ينّاير، رأس السّنة الفلاحية الأمازيغية، التي لا تُختزل في مجرّد تاريخ أو طقس احتفالي عابر، بل تمثّل ترسّبًا حضاريًا عميقًا، وحلقة واصلة بين الإنسان والأرض، وبين الذّاكرة والعمل، وبين الماضي الذي صاغ الوجدان والحاضر الذي يعاد بناؤه بروح التّضامن والانتماء.
ينّاير في جوهره ليس عيدًا إثنيًا ضيّقًا ولا مناسبة فلكلورية معزولة، بل هو موعد اجتماعي جامع، ارتبط منذ قرون بدورة الزّراعة، وبإيقاع الطّبيعة، وبحكمة الإنسان الجزائري الذي تعلّم أن يقرأ الفصول، ويصالح الأرض، ويحتفل بالعطاء مهما كان بسيطًا، هو إعلان رمزي عن بداية سنة فلاحية جديدة، تُستقبل بالدّعاء للخصب، وبالأمل في موسم وفير، وبالاجتماع العائلي الذي يعيد ترميم أواصر القربى.
في البيوت الجزائرية، من أقصى الشّرق إلى أقصى الغرب، ومن الشّمال إلى عمق الصّحراء، يتشابه المشهد وإن اختلفت التفاصيل: موائد عامرة، أطباق تقليدية ضاربة في القدم، حبوب متنوّعة ترمز إلى البركة والتعدّد، وطقوس تقاسم الطّعام التي تعكس قيمة راسخة في المجتمع الجزائري هي المشاركة.
فالأكل في ينّاير ليس مجرّد إشباع للجسد، بل فعل اجتماعي محمّل بالدّلالات؛ إذ يُقصد به استدعاء الخير، وترسيخ ثقافة العيش المشترك، والتّأكيد على أنّ البركة لا تُطلب إلاّ في الجماعة.
ومن هذا المنظور، يكتسب ينّاير بعدًا تربويًا وثقافيًا بالغ الأهمية؛ فهو مناسبة يتعلّم فيها الأبناء، عبر الممارسة لا عبر الخطب، معنى الانتماء، واحترام التراث، والاعتزاز بالخصوصيّة الثقافية دون تعصّب أو انغلاق، يتعلمون أنّ الهويّة الجزائرية نُسجت عبر التّاريخ من روافد متعدّدة، وأنّ ثراءها يكمن في هذا التنوّع الذي انصهر في وحدة وطنية متماسكة.
ولا يمكن فهم مكانة ينّاير دون ربطه بالقيم الاجتماعية التي يعزّزها: التضامن، التآزر، صلة الرّحم، إكرام الجار، والاهتمام بالفقراء والمحتاجين.
ففي كثير من المناطق، يقترن الاحتفال بتوزيع الطعام، أو بمبادرات جماعية بسيطة لكنها عميقة الأثر، تُعيد الاعتبار لفكرة (الخير المشترك) التي كانت أساس التعايش في المجتمع التقليدي، ولا تزال قادرة على أداء دورها في الحاضر.
إنّ الاحتفاء بينّاير، شأنه شأن الأعياد الدّينية والوطنية، يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـالطقوس الجامعة، أي تلك المناسبات التي تُعيد شحن الذّاكرة الوطنية بطاقة إيجابية، وتمنح المجتمع فرصة للالتقاء خارج منطق الصّراع والانقسام.
ففي زمن تتسارع فيه التحوّلات، وتتعرّض فيه الهوّيات للاختزال أو التوظيف الإيديولوجي، يصبح الاحتفاء الواعي بالموروث الثقافي فعلًا حضاريًا، يعيد التوازن بين الأصالة والتّحديث.
ومن هنا، فإنّ ترسيم ينّاير والاعتراف به مناسبة وطنية ليس مجرد قرار إداري أو استجابة ظرفية، بل هو اختيار ثقافي عميق الدّلالة، يؤكّد أنّ الدّولة والمجتمع معًا يعترفان بقيمة الذاكرة الجماعية، ويعتبران التّراث عنصر قوّة لا عبئًا، ومجال توحيد لا مصدر فرقة.
إنّ ينّاير، في النّهاية، هو لغة صامتة تتحدّث بها الأرض، وذاكرة حيّة تتناقلها الأجيال، وفرصة سنوية ليقول الجزائريون، على اختلاف مشاربهم: إنّهم أبناء تاريخ واحد، وأرض واحدة، ومصير مشترك؛ هو احتفال بالإنسان حين يصالح جذوره، وبالمجتمع حين يحتفي بتنوعه، بكل محبة واحترام، وبالوطن حين يجد في تراثه ما يعزّز وحدته ويغذّي أمله في الغد.
وهكذا، يتضوع ينّاير عطرًا ثقافيًا واجتماعيًا، لا يزاحم مناسباتنا الدّينية والوطنية، بل يقف إلى جوارها، مكمّلًا لها، ومؤكّدًا أنّ الجزائر، بثقافتها المتعدّدة وذاكرتها العميقة، قادرة دائمًا على تحويل التاريخ إلى طاقة حياة، والموروث إلى أفق للمستقبل المزهر المشرق.
فكل عام والجزائر بخير. (أسقاس أمقاس)









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين