جاء الموعد يا أُماه؛ فلقد رأيت نفسي أقتحم عليهم موقعهم؛ أقتلهم كالنعاج ثم استشهد؛ ورأيتني بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم؛ وهو يهتف مرحى بك مرحى بك”… كان هذا مقطعا من كتاب يحيى السنوار (الشوك والقرنفل) كتبه أُثناء قضاء فترة أسره في سجن بئر السبع سنة 2004.
المقطع كان يبدو لسجّانيه انه مجرد حلم يصبو إليه؛ وهو الأسير المحكوم عليه بالمؤبد بتهمة إنشاء جهاز الأمن الخاص بحركة حماس؛ في أكثر السجون حراسة في الأراضي المحتلة؛ سيقضي بقية حياته في كتابة جملا إنشائية عما سيفعله بهم في أوهامه؛ فينصرفون ضاحكين.
التحرر والقيادة
في تلك الفترة؛ وخارج أسوار السجن؛ كانت المقاومة الفلسطينية قد نجحت في أسر الجندي الصهيوني جلعاد شاليط؛ والذي صار بعدها ورقة تفاوض مع سلطات الاحتلال لإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين؛ إلى أن تحققت صفقة التبادل عام 2011 والتي قضت بإطلاق سراح جلعاد شاليط مقابل تسريح 1027 أسير فلسطيني؛ والذي كان من بينهم يحيى السنوار الذي قضى 22 عاما في سجون الاحتلال.
من كان يظن أن السنوار كان قد أمضى فترة أسره دارسا الفكر الصهيوني؛ من خلال متابعته للمجتمع الاسرائيلي والاطلاع على الدراسات المكتوبة بالعبرية والتي تناولت الوضع الداخلي الإسرائيلي؛ ما سمح له بتكوين فكرة مفصلة على المجتمع الاسرائيلي خصوصا و أنه تعلم اللغة العبرية داخل السجن.
خرج السنوار محملا بزاد معلوماتي حول العدو؛ يخول له المضي قدما في حلمه الذي راوده أثناء أسره؛ فاستأنف نضاله في حركة المقاومة الإسلامية (حماس)؛ حيث كان منسقا بين المكتب السياسي لحماس وقيادة كتائب عز الدين القسام (الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية)؛ بصفته ممثلا للكتائب في المكتب السياسي لحماس؛ وتدرج في السلم القيادي للحركة إلى أن انتخب في 2017 رئيسا للمكتب السياسي للحركة في قطاع غزة خلفا لإسماعيل هنية.
طوفان الأقصى
ومنذ ذلك الحين بدأ يحيى السنوار في مخططه لضرب العدو داخل معاقله؛ هادفا لتحقيق ما تجلى له في فترة أسره؛ إلى أن نجح في تنفيذ هجوم طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 والذي كان هو مهندسه.
إذ أطلقت الفصائل الفلسطينية آلاف الصواريخ نحو مستوطنات الاحتلال؛ بالتزامن مع هجوم بري من داخل قطاع غزة نفذه المجاهدون، كاسرين بذلك جدار الحصار؛ وتوغلوا داخل الأراضي المحتلة المسماة غلاف غزة؛ حيث نجحوا في قتل أكثر من 1500 جندي ومستوطن إسرائيلي؛ كما أسروا أكثر من 250 رهينة من سكان المستوطنات وجنود والضباط وعادوا بهم إلى داخل القطاع، وأطاحوا بكتيبة غزة التابعة لجيش الاحتلال بالكامل.
بعد هذه العملية؛ نفذ الكيان الصهيوني حصارا على قطاع غزة بالتزامن مع عمليات قصف على معظم أراضيها؛ لتهيئة الطريق لهجوم بري هدفه تصفية مقاومي حماس وعلى رأسهم يحيى السنوار.
ولمدة سنة؛ ورغم تنفيذ الجيش الإسرائيلي هجوما بريا وبحريا وجويا واسعا على غزة؛ إلا أنهم فشلوا في الوصول إلى السنوار؛ بل تكبدوا خسائر بشرية ومادية كبيرة؛ من المقاومة التي اعتمدت على المواجهة غير المباشرة؛ إذ كان المقاومون يستخدمون الأنفاق كأرضية للتنقل بين مناطق غزة؛ وكل هذا كان تحت قيادة يحيى السنوار ورفيقه في الجهاد محمد الضيف.
خير خلف لخير سلف
وبعد استشهاد إسماعيل هنية؛ في عملية اغتيال على الأراضي الإيرانية؛ تولى يحيى السنوار مهمة قيادة الحزب من بعده من داخل قطاع غزة؛ حيث قام بإيقاف مفاوضات وقف إطلاق النار مع سلطة الكيان لفترة؛ حتى يقوم بترتيب بيت المقاومة وبعدها تستأنف المفاوضات.
جاء الموعد يا أماه
بعد أن كان إعلام العدو يزعم أن السنوار كان مختبئً في الأنفاق جاعلا شعب غزة كدروع بشرية يحتمي خلفهم؛ ظهر الحق من بين ألسنتهم عندما أعلنوا عن استشهاد السنوار في تبادل لإطلاق النار مع أفراد من جيش الكيان؛ في عملية كانت بالصدفة، ولم تكن تهدف إلى اغتيال السنوار؛ حيث استشهد حاملا سلاحه مرتديا جعبته يتقدم صفوف جنده.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين