بدأت جولة جديدة من المفاوضات بين الفيدرالية الروسية والولايات المتحدة الأمريكية، في مدينة الرياض، بالمملكة العربية السعودية.
العجيب في الأمر هذه الصورة، يتمثل في أنه، وإلى مدة قصيرة جدا لم نكن لنصدق أن ممثلي الفيدرالية الروسية يتفاوضون مع ممثلي الولايات المتحدة الأمريكية، وجها لوجه، حول إنهاء الحرب في أوكرانيا، في غياب صارخ لأوكرانيا، البلد الذي اجتاحته روسيا.
كما عبر عن ذلك كبير مراسلي قناة سي.أن.أن والمختص في قضايا الأمن القومي، ألكس ماركواردت: “قال الوفد الأمريكي في الرياض إنه “سيتم تحديده” فيما يتعلق بالعقوبات والتنازلات الإقليمية والضمانات الأمنية. ولم يتم التوصل إلى خطوط واضحة بشأن أوكرانيا. بينما قال لافروف لهم إن وجود أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي يشكل “تهديدًا مباشرًا” وأن وجود قوات حلف شمال الأطلسي في أوكرانيا غير مقبول”.
في الوقت الذي كان دونالد ترمب، يدلي بهذيانه حول تهجير الفلسطينيين، وشراء غزة، وفتح أبواب الجحيم على الجناح لحركة حماس الفلسطينية والشرق الأوسط، مما شد انتباه الإعلام العالمي وتعقيبه عليه، كانت هناك مفاوضات تجري بين روسيا وإدارة ترمب للخروج بصفقة عاجلة تنهي الحرب في أوكرانيا، واضعة حد للدعم الأمريكي السخي لفولوديمير زلينسكي، متجاهلا مطالب السلطة الأوكرانية، من جهة، وطاعنا أوربا في الظهر.
تداولت منصات التواصل الاجتماعي والمنصات الإخبارية صور تجمع وزيري الخارجية لكل من الولايات المتحدة الأمريكية والفديرالية الروسية، ماركو روبيو وسيرغي لافروف، على طاولة المفاوضات في المملكة العربية السعودية.
حسب كيريل دميترييف، مسؤول القسم الاقتصادي في المفاوضات عن الجانب الروسي، فإن الجولة الأولى من المفاوضات دامت قرابة أربع ساعات ونصف، وكانت مجدية وواعدة.
يحاول دونالد ترمب أن يفي بوعده الانتخابي، بأن لا يسرف أموال الأمريكيين في حروب لا جدوى منها، وكل الطرق المؤدية إلى ذلك سائغة وممكنة.
ولعل أبرز الدروس والعبر التي يمكننا استخلاصها من هذا الحدث الذي سيخلف شرخا عميقا، قد لن يندمل لعقود بين أوروبا العجوز وأمريكا المحافظة.
السيادة قضية حيوية واستراتيجية
إن قضية الاستقلال والكفاح من أجل الوطن قضية استراتيجية وحيوية، يجب العمل على كسب كل الدعم لها، ولكن ليس إلى حد الارتماء في أحضان الصديق وإعطائه مفاتيح المناورة والتفاوض، فالرئيس الأوكراني، كان يؤمن إيمانا عميقا إلى درجة العمى في قدرات والتزام أوربا وأمريكا في مساندتهما لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، وعليه، الدول الكبرى تقرر مستقبل أوكرانيا في غياب قادتها، وليس هناك شيء أهون وأقذر من التخبط في مهانة كهذه.
لقد ذهبت أوكرانيا ضحية صراع الكبار، ورضخت الطبقة السياسية الأوكرانية لهذا الصراع معتقدة أن تضاريس الصراعات الدولية ستهيكل البيت الأوكراني من الداخل، فزجوا بالبلاد في أتون صراع دولي لا يملكون ناصيته ولا يتحكمون في مآلاته، ورهنوا مقدرات البلاد ومستقبل الأجيال اللاحقة، وقد تسفر المفاوضات الجارية عن خسائر فادحة لأوكرانيا ولثرواتها وفقدان لسيادتها، وقد تفقد أوكرانيا أراضيها التي احتلتها روسيا، ولن يسمح لها بالانضمام إلى حلف الناتو بموجب الضغط الروسي.
أمريكا.. الحليف الوهمي وأوربا الساذجة؟
ذات يوم، قال الرئيس الألماني، فرانك والتر شتاينماير: “نحن أكلة أعشاب في الجيوسياسة، في عالم يعج فيه أكلة اللحوم في الجيوسياسة”.
لم يكن أحدا يتصور أن تصل جرأة الأمريكيين إلى حد التخلي عن أوربا في صراعها مع روسيا بهذا الشكل، علما أنه منذ بداية الصراع، جرت أوروبا رغم أنفها إلى مبارزة روسيا، معتقدة أن أمريكا وراءها لدعمها في إطار حلف الناتو، الذي تطرح عليه أسئلة كثيرة من جدواه، وبدأ يعترف القادة الأوربيون بألم وحسرة من الفرص الضائعة، لتقوية البيت الأوربي.
فقد كان من الأجدر بناء منظومة دفاعية وأمنية أوربية قوية ومتينة للتصدي لكل خطر خارجي، علما أن ميزانية الدفاع للاتحاد الأوربي تتجاوز 700 مليار يورو، في الوقت الذي لا تتجاوز ميزانية روسيا 90 مليار دولار.
ولكم كانت كلمات رئيس منتدى ميونيخ للأمن، كريستوف هويسغن، مليئة بالحسرة والحزن، عندما عبر عن حزنه من فقدان القيم المشتركة بين أوربا وأمريكا، خاصة عندما أدلى نائب رئيس الأمريكي جي دي فانس في خطاب له أثناء الندوة، بانتقاد الديموقراطية الأوربية، ما اعتبره الكثيرون تبجحا واستعلاء ممن ساندوا الهجوم على مبنى الكونغرس من طرف الجماعات المتطرفة من البيض، والذي اعتبر حينذاك تعديا صارخا على الديموقراطية الأمريكية.
حقيقة أخرى عن مدى صحة دفاع فانس عن الديموقراطية الأمريكية ودعمه لزميله في الإدارة الأمريكية إيلون مسك كاتب الدولة للرشادة الحكومية (DOGE)، الذي هو محل انتقادات واسعة في أوربا على خلفية مساندته لأحزاب اليمين المتطرف الألمانية، ووجود حسابات هائلة عنصرية ويمينية على منصة إكس دون أن تقوم إدارة المنصة بإغلاقها بدعوى حرية التعبير.
رغم أن كاتب الدولة للخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد حذر في تصريح له قبل أيام من أن على إثر المفاوضات بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية لن يتحصل كل طرف في الصراع على مبتغاه.
ولكن في اعتقادنا أن روسيا ستربح الكثير، بحكم أنها دخلت هذه المفاوضات من منطلق القوة وبالتالي ستحقق مكاسب كثيرة وأكبر خاسر هي أوكرانيا التي خسرت مواطنيها الذين قتلوا في الحرب وسوف لن تسترجع الأقاليم التي احتلها الروس.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين