في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، استقبلت الجزائر هذا الأسبوع وفداً أمريكياً رفيع المستوى، في زيارة تعكس تحولات لافتة في مسار العلاقات بين البلدين.
الوفد، الذي قاده نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو، وضم قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) الجنرال داغفين أندرسون، حمل معه رسائل متعددة الأبعاد، سياسية وأمنية واقتصادية.
وحظي الوفد الأمريكي باستقبال من أعلى مستوى، حيث أجرى محادثات ومقابلات مع عدد من المسؤولين الجزائريين، كان في مقدمتهم رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون.
وتناولت هذه اللقاءات قضايا السياسية والاقتصادية والأمنية، إلى جانب التطرق إلى أبرزالملفات الإقليمية والدولية في مقدمتها ملف الصحراء الغربية باعتباره أحد أبرز القضايا العالقة في القارة الإفريقية.
وتأتي هذه الزيارة في ظرف دولي وإقليمي بالغ التعقيد، يتسم بتصاعد التوترات في عدة بؤر حول العالم، أبرزها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى التدهور الأمني في منطقة الساحل الإفريقي، خصوصا الهجمات التي شهدتها مالي قبل أسبوع، وهو ما جعل هذه التحركات محط اهتمام ومتابعة من قبل المراقبين الذين يرون فيها زيارة ذات دلالات استراتيجية متزايدة.
رفع مستوى الاتصال السياسي
يرى الخبير الأمني أحمد ميزاب، أن الزيارة الأخيرة للقادة الأمريكيين إلى الجزائر هي رفع في مستوى الاتصال السياسي، مع توجه نحو إدماج مجالات جديدة في التعاون، على غرار الأمن السيبراني وتعزيز قدرات مراقبة الحدود، والانخراط في مقاربة أكثر شمولا لمعالجة قضايا الاستقرار الإقليمي، خاصة في مالي وليبيا.
ويبرز الخبير أحمد ميزاب في قراءة خص بها منصة “أوراس”، أن هذا التوسع لا يعكس قطيعة مع النمط السابق، بل يندرج ضمن منطق تراكمي يعيد ترتيب الأولويات، ويحدث قدرا من التحديث في آليات التنسيق، مشيرا إلى أن الزيارة تقرأ كتطور نسقي يتأسس على قاعدة تعاون قائمة، ويعمل على إعادة تنظيمها وتوسيعها بشكل تدريجي.
ويضيف الخبير الأمني أن العلاقة الأمنية بين الطرفين ليست وليدة الظرف، بل تقوم منذ سنوات على محددات واضحة تتعلق بمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، وتبادل المعلومات، وتأمين المجال الإقليمي، حيث لم تتغير هذه الركائز، لكنها بدأت تعرف إعادة تعريف من حيث الأدوات ومستوى التفاعل.
كما يرى محدث “أوراس”، أن ما يجري يمثل تطورا نسقيا يرفع من مستوى التعاون ويمنحه أدوات أكثر تنوعا، دون أن يرتقي في هذه المرحلة إلى مستوى التحول الاستراتيجي الجذري، مع بقاء تطور هذا المسار مرتبطا بمدى تغير بيئة التهديد في الإقليم وقدرة الطرفين على تحويل هذا التراكم إلى شراكة أعمق.
وفيما يتعلق بملف الصحراء الغربية، يوضح الخبير الأمني أن هذا الملف يظل من أكثر القضايا حساسية، ومحكوما بثوابت راسخة لدى مختلف الأطراف.
ويشير ميزاب إلى أن تصريح نائب كاتب الدولة الأمريكي عقب استقباله من قبل الرئيس تبون، والذي أكد فيه أن “العلاقة بين الجزائر والولايات المتحدة عميقة جدا، ونتطلع إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والسعي معا لحل قضية الصحراء الغربية”، يكتسي أهمية لكنه يظل تصريحا محسوبا بدقة يعكس سعي واشنطن إلى إدارة التوازن بدل كسره.
ويبزر المتحدث أن الولايات المتحدة تتحرك ضمن منطق براغماتي يهدف إلى الحفاظ على توازن دقيق مع تجنب خسارة أي طرف، في مقابل تمسك الجزائر بموقف ثابت يقوم على حل أممي قائم على مبدأ تقرير المصير، وفقا لمبدأ الشرعية الدولية، باعتبار أن الكلمة الفصل تعود للشعب الصحراوي عبر مسار تقرير المصير.
In 1793, President George Washington dispatched a diplomatic envoy to negotiate a treaty of amity and commerce with the dey of Algiers, which was signed two years later. It was a great honor for me to follow in these venerable footsteps by visiting Algeria this week. The… pic.twitter.com/ARiTGAYxRc
— Christopher Landau (@DeputySecState) April 29, 2026
أما في البعد الاقتصادي، فيوضح أنه لا يمكن فصل الاهتمام الأمريكي بالجزائر عن محددين أساسيين يتمثلان في قطاع الطاقة، خاصة الغاز، والموقع الجيو-اقتصادي الذي يمنح الجزائر موقعا متقدما في الربط بين الفضاءين المتوسطي والإفريقي.
ويخلص الخبير الأمني أحمد ميزاب إلى أن الزيارة الأخيرة تعكس بالأساس رغبة في تحسين مناخ الاستثمار وفتح مجالات تعاون تتجاوز المحروقات، بما يشمل قطاعات يمكن أن توفر فرصا جديدة للشراكة.
رهانات إفريقيا
من جهته، يرى المحلل السياسي محمد بن خروف، أن الزيارة الأخيرة للقادة الأمريكيين إلى الجزائر تندرج ضمن مسعى لتعميق التعاون الثنائي وفتح آفاق جديدة لتطويره، سواء على الصعيد السياسي والدبلوماسي أو في ما يتعلق بمعالجة القضايا الدولية العالقة، على غرار الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات المرتبطة بإيران.
ويؤكد المحلل السياسي في تصريح خص به “أوراس”، أن الجزائر تكتسي أهمية استراتيجية في نظر واشنطن، بالنظر إلى موقعها الجغرافي الذي يمنحها دورا محوريا في حوض البحر الأبيض المتوسط وعلى مستوى القارة الإفريقية، فضلا عن موقعها كحلقة وصل بين القارات الأربع، ما يعزز مكانتها كفاعل محوري في التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية.
وفي الشق العسكري، يوضح بن خروف أن التنسيق بين الجزائر والولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب يتواصل، مستندا إلى خبرة جزائرية متراكمة حظيت باعتراف دولي، ما جعلها نموذجا يستأنس به في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، بما في ذلك الجريمة المنظمة وتمويل الجماعات الإرهابية.
كما يندرج هذا التعاون، بحسب المحلل السياسي محمد بن خروف، ضمن إطار أوسع لتطوير الشراكة العسكرية، خاصة في ظل التحديات المتزايدة في منطقة الساحل، التي تعرف وضعا أمنيا هشا، لا سيما في مالي بما قد ينعكس على استقرار المنطقة ككل وعلى القارة الإفريقية، فضلا عن التعقيدات المرتبطة بملف الصحراء الغربية، ما يستدعي -حسبه- معالجة شاملة لتفادي انزلاق القارة إلى مزيد من الأزمات.
وفي هذا الإطار، يبرز بن خروف مكانة الجزائر كفاعل إقليمي ودولي يستند إلى مواقف مبدئية قائمة على احترام القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها، في مقابل توجهات دولية أخرى تعتمد منطق القوة، وهو ما من شأنه تعميق حالة عدم الاستقرار وفتح المجال أمام سيناريوهات أكثر تعقيدا.
أما على الصعيد الاقتصادي، فيؤكد أن التعاون بين البلدين يتجه نحو توسيع مجالاته ليشمل قطاعات جديدة، على غرار الفلاحة، حيث تبرز مشاريع كبرى تهدف إلى تعزيز الإنتاج الوطني، من بينها مشروع تطوير شعبة الحليب، إلى جانب استمرار الاستثمارات في قطاع الطاقة.
ويخلص المحلل السياسي محمد بن خروف إلى أن هذا التوجه يعكس رغبة في تنويع الشراكة الاقتصادية خارج إطار المحروقات، لتشمل مجالات استراتيجية مثل الفلاحة والمناجم والطاقات المتجددة، في سياق مسعى مشترك لتوسيع فرص الاستثمار وتعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين