تشهد أسواق الخضر في الجزائر خلال الأيام الجارية ارتفاعا ملحوظا ومفاجئا في الأسعار، ما أثار تساؤلات واسعة حول أسباب هذا التذبذب وانعكاساته على القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل التغيرات المتكررة التي تعرفها السوق الوطنية بين فترات الارتفاع والاستقرار.
وتتباين قراءات الفاعلين في القطاع بين من يرجع الأمر إلى عوامل إنتاجية ومناخية ولوجيستية، ومن يشير إلى اختلالات في مسالك التوزيع والمضاربة في أسواق الجملة.
ولإثراء هذا الموضوع من مختلف جوانبه، استقينا آراء عدد من الفاعلين، من بينهم عضو في جمعية حماية المستهلك ومستثمر في القطاع الفلاحي، للوقوف على أبرز الأسباب واقتراحات الحلول الممكنة.
ارتفاع الأسعار وضع متكرر وموسمي
أوضح عضو منظمة حماية المستهلك فادي تميم، لـ”أوراس”، أن الارتفاع المسجل في أسعار الخضر خلال الفترة الحالية ليس حالة استثنائية، بل يتكرر بشكل موسمي، حيث شهدت الأسعار خلال الأيام الأولى من شهر رمضان ارتفاعا غير معتاد، قبل أن تعود إلى نوع من التوازن النسبي، ثم ترتفع مجددا في الأيام الأخيرة من الشهر، مع استمرار تسجيل مستويات مرتفعة لبعض الخضر.
أسباب متعددة ومتشابكة
أرجع محدث أوراس، فادي تميم، أسباب ارتفاع الأسعار إلى عدة عوامل متداخلة، من بينها الاضطرابات المناخية التي تؤثر على عمليات الجني والإنتاج، وهو “ما يؤدي إلى نقص الكميات المعروضة في أسواق الجملة وارتفاع الأسعار”.
كما أشار إلى اختلالات في التقدير الإنتاجي، حيث “تؤدي وفرة الإنتاج في بعض المواسم إلى انهيار الأسعار”، ويدفع ذلك الفلاحين لاحقا إلى تقليص الإنتاج، وبالتالي خلق فجوات في العرض يؤثر في ارتفاع الأسعار.
ولفت عضو المنظمة إلى وجود ما يعرف بــ”الفراغات الإنتاجية” بين المناطق والولايات.
كما أشار فادي تميم، إلى ضعف تنظيم مسالك التوزيع، ومحدودية أسواق الجملة مقارنة بحجم السوق الوطنية، وأن “9 أسواق للجملة للخضر والفواكه غير كافية لدولة بحجم الجزائر “، إضافة إلى اختلالات لوجيستية تؤدي إلى تفاوت كبير في الأسعار بين مختلف المناطق.
وكشف عضو منظمة حماية المستهلك، أن تدخل عدد كبير من الوسطاء و”السماسرة” غير النظاميين داخل مسالك التوزيع يساهم في رفع الأسعار بشكل غير مبرر، خاصة خلال فترات الطلب المرتفع مثل شهر رمضان والأعياد.
وفيما يخص انشغالات المواطنين، أكد أن المنظمة تتلقى باستمرار شكاوى حول ارتفاع الأسعار، موضحا أن دور جمعية حماية المستهلك لا يتمثل في الرقابة المباشرة، بل في التحسيس والإرشاد ونقل الانشغالات إلى الجهات المعنية.
حلول هيكلية مطلوبة
دعا محدث “أوراس”، فادي تميم، إلى فتح ورشات عمل تجمع مختلف الفاعلين في القطاع، بهدف وضع استراتيجية متوسطة وبعيدة المدى تعتمد على مقاربة تشاركية لمعالجة الاختلالات.
كما شدد على ضرورة تنظيم السوق عبر إنشاء مراكز تجميع وتطوير مسالك التوزيع، إضافة إلى تحسين إدارة العرض والطلب وتقليص دور “السماسرة” غير النظاميين.
واقترح أيضا عضو منظمة حماية المستهلك، اعتماد أسعار مرجعية متوازنة تضمن هامش ربح للفلاح واستقرارا في السوق، لتحقيق توازن بين الإنتاج والاستهلاك.
كما أكد أن ضبط السوق في المدى القريب ممكن، لكنه مرهون بوضع رؤية شاملة تعتمد على التخطيط المسبق للإنتاج والتوزيع بدل التسيير التقليدي الذي يسبب اختلالات متكررة.
الطماطم نموذجا.. بين وفرة الأمس وندرة اليوم
أوضح المستثمر الفلاحي بولاية بسكرة حسام طهراوي، لـ “أوراس”، أن الارتفاع الحالي في الأسعار يرتبط أساسا بتقلبات العرض والطلب، مشيرا إلى أن مادة الطماطم عرفت خلال الفترة الماضية انهيارا في الأسعار، حيث اضطر عدد من الفلاحين إلى بيع الكيلوغرام الواحد بحوالي 20 دينارا فقط.
وأضاف المستثمر الفلاحي، أن هذا الانخفاض الحاد في الأسعار خلال الأسابيع الماضية انعكس لاحقا على حجم الكميات المعروضة في السوق، حيث تراجعت وفرة الطماطم بشكل ملحوظ، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعارها في الوقت الحالي.
عوامل مناخية تضرب الإنتاج
أكد محدث أوراس، أن الظروف المناخية لعبت دورا حاسما في ارتفاع الأسعار، خاصة الرياح القوية والعواصف الرملية التي ضربت عدة ولايات خلال الأسابيع الماضية، والتي تسببت في إتلاف جزء معتبر من المحاصيل قبل بلوغها مرحلة الجني، وهو ما قلص الكميات القابلة للتسويق.
وأشار، حسام طهراوي، إلى أن هذه العوامل الطبيعية، إلى جانب هشاشة بعض طرق الإنتاج، تجعل محصول الطماطم عرضة لتقلبات الأسعار.
من الحقل إلى السوق.. فارق كبير في الأسعار
وفيما يتعلق بمسار التسويق، شدد المستثمر الفلاحي على أن الفلاح يبيع منتوجه بأسعار منخفضة، غير أن الأسعار ترتفع بشكل ملحوظ عند وصولها إلى الأسواق، بسبب تعدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك.
وأوضح حسام طهراوي، أن كل حلقة إضافية في سلسلة التوزيع تساهم في رفع السعر النهائي، وهو ما يجعل الفارق كبيرا بين سعر الحقل وسعر البيع للمواطن.
تجدر الإشارة إلى أنه قبل 6 أيام فقط، صدرت الجزائر 80 طن من الطماطم إلى إسبانيا عبر ميناء وهران.
من جهته، أكد الاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين أن الارتفاع المسجل في أسعار بعض الخضر، على غرار الطماطم والجزر والثوم، يبقى ظرفيا وموسميا، مرتبطا بعوامل مناخية ودورات الإنتاج، إلى جانب تراجع العرض مقارنة بالطلب.
وشدد الاتحاد في بيان له، على أن وضعية التموين في السوق الوطنية تظل مستقرة في مجملها.
وأوضح أن دخول إنتاج فلاحي جديد خلال الأيام المقبلة يؤدي إلى إعادة التوازن وخفض الأسعار تدريجيا، مبرزا توفر أغلب المواد الاستهلاكية “بكميات كافية وبأسعار معقولة”.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين