كشفت صحيفة واشنطن بوست، في تقرير حصري، أن الولايات المتحدة تحملت العبء الأكبر في التصدي للهجمات الصاروخية الإيرانية على “إسرائيل”، مستخدمة كميات ضخمة من الصواريخ الاعتراضية المتطورة تجاوزت ما أطلقه الجيش “الإسرائيلي” نفسه خلال الحرب الأخيرة على إيران.
وبحسب التقرير الذي أعده الصحفي جون هدسون، فإن وزارة الدفاع الأمريكية استنزفت جزءاً مهماً من مخزونها الاستراتيجي من أنظمة الدفاع الجوي عالية التقنية، وسط مخاوف متزايدة داخل واشنطن بشأن الجاهزية العسكرية الأمريكية في مناطق أخرى من العالم.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن الولايات المتحدة أطلقت أكثر من 200 صاروخ اعتراضي من منظومة “ثاد”، أي ما يقارب نصف المخزون المتوفر لدى البنتاغون، إضافة إلى أكثر من 100 صاروخ من طرازي “ستاندرد ميسايل-3” و”ستاندرد ميسايل-6” أُطلقت من سفن حربية أمريكية في شرق البحر المتوسط.
في المقابل، استخدمت “إسرائيل” عددا أقل من أنظمة الدفاع المتطورة، حيث أطلقت أقل من 100 صاروخ من منظومة “آرو”، ونحو 90 صاروخا من “مقلاع داود”، وفق التقييمات التي اطلعت عليها الصحيفة.
وترى أوساط عسكرية أمريكية أن هذه الأرقام تكشف اختلالا واضحا في توزيع الأعباء الدفاعية بين واشنطن وتل أبيب، خاصة في ظل تراجع المخزون الأمريكي من الذخائر الاعتراضية المتطورة وصعوبة تعويضها بسرعة.
وقالت الباحثة في “مركز ستيمسون” كيلي غريكو: “الأرقام تثير الانتباه، فقد استوعبت الولايات المتحدة معظم مهمة الدفاع الصاروخي، بينما حافظت إسرائيل على مخزونها من الصواريخ. وحتى لو كان المنطق العملياتي سليما، فإن الولايات المتحدة لا تملك سوى نحو 200 صاروخ اعتراضي من طراز ثاد، وخط إنتاج لا يستطيع مواكبة الطلب”.
وأثار هذا الاستنزاف قلق حلفاء واشنطن في آسيا، خصوصاً اليابان وكوريا الجنوبية، اللتين تعتمدان على المظلة الدفاعية الأمريكية في مواجهة تهديدات كوريا الشمالية والصين.
وأضافت غريكو: “قد يدفع ثمن هذا النقص في مناطق لا علاقة لها بإيران”.
ورغم تأكيد المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين مرارا على متانة التعاون العسكري بين البلدين، فإن التقييمات التي نقلتها الصحيفة تشير إلى اعتماد “إسرائيلي” متزايد على القدرات الأمريكية في التصدي للصواريخ الباليستية الإيرانية.
وقال مسؤول في الإدارة الأمريكية إن واشنطن “أطلقت نحو 120 صاروخا اعتراضيا إضافيا، وتصدت لضعف عدد الصواريخ الإيرانية”، مشيراً إلى أن هذا الخلل قد يتفاقم إذا استؤنفت العمليات العسكرية ضد إيران خلال الفترة المقبلة.
ويأتي ذلك في وقت تحدثت فيه تقارير عن إخراج بعض بطاريات الدفاع الصاروخي الإسرائيلية من الخدمة لأغراض الصيانة، ما قد يفرض على الجيش الأمريكي تحمّل دور أكبر في أي مواجهة مقبلة.
وفي المقابل، دافع عن آلية تقاسم الأعباء العسكرية مع إسرائيل، مؤكداً أن الدفاع الجوي لم يعتمد فقط على الصواريخ الاعتراضية، بل شمل أيضاً الطائرات المقاتلة وأنظمة مكافحة المسيّرات وقدرات دفاعية متقدمة أخرى.
وقال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل: “تحملت كل من إسرائيل والولايات المتحدة العبء الدفاعي بشكل متساو خلال عملية الغضب الملحمي”.
كما أكدت السفارة “الإسرائيلية” في واشنطن أن العمليات العسكرية المشتركة “تم تنسيقها على أعلى المستويات”، معتبرة أن إسرائيل تمثل شريكاً استراتيجياً أساسياً للولايات المتحدة في المنطقة.
لكن خلف هذا التنسيق، تحدث التقرير عن تصاعد التوتر بين رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الأمريكي، مع تعقد الحرب واتساع تداعياتها الاقتصادية والعسكرية.
وبحسب مسؤولين أمريكيين، فإن نتنياهو لعب دوراً رئيسياً في إقناع ترامب بالمواجهة العسكرية مع إيران، على أساس أن الضربات ستؤدي إلى إضعاف النظام الإيراني وإنهاء قدرته على تطوير سلاح نووي، غير أن الحرب دخلت لاحقاً في مسار أكثر تعقيداً مما توقعه الطرفان.
وأدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى اضطرابات في إمدادات الطاقة العالمية وارتفاع معدلات التضخم، بينما أظهرت تقديرات استخباراتية أمريكية أن طهران ما تزال تحتفظ بنحو 70 بالمئة من ترسانتها الصاروخية رغم الضربات التي تعرضت لها.
كما أشارت التقديرات إلى أن جزءاً مهماً من اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب ربما لا يزال موجوداً داخل المنشآت النووية التي تعرضت للقصف الأمريكي والإسرائيلي.
وفي خضم هذه التطورات، حذر مسؤولون أمريكيون من أن استمرار الحرب قد يفاقم أزمة الذخائر لدى البنتاغون، خاصة بعد سنوات من الإنفاق العسكري المرتفع في أوكرانيا والشرق الأوسط.
وقال مسؤول أمريكي ثان: “إسرائيل غير قادرة على خوض الحروب والفوز بها بمفردها، لكن لا أحد يعلم ذلك حقا، لأنهم لا يرون ما سيحدث لاحقا”.
وأضافت الصحيفة أن سلاح الجو الإسرائيلي شهد تراجعاً في وتيرة عملياته مع نهاية مارس/آذار، نتيجة استنزاف الطائرات والطيارين بفعل العمليات المستمرة في غزة ولبنان واليمن.
وقالت كيلي غريكو إن “تراجع عدد الطلعات الجوية أمر بالغ الأهمية، فقد استنزفت غزة ولبنان الجيش الإسرائيلي، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل قلل القادة الإسرائيليون من شأن قدرتهم على الحفاظ على وتيرة العمليات؟”.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن تراجع المخزون الأمريكي من أنظمة الدفاع الجوي يثير تساؤلات داخل واشنطن بشأن أولوية المصالح الأمريكية، خاصة في ظل شعار ترامب “أمريكا أولا”.
وقال جاستن لوغان، مدير دراسات الدفاع والسياسة الخارجية في معهد كاتو: “اللغز هو لماذا لم يثر هذا الأمر قلق مسؤولي ترامب”.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين