مع الإعلان الرسمي عن انطلاق الحملة الانتخابية لتشريعيات 02 جويلية أمس الثلاثاء، أزيح الستار عن البرامج والشعارات والقوائم التنافسية، لتتصدر صور نواب الغد المشهد العام.
واجتاحت صور المترشحين منصات التواصل الاجتماعي، في حملة رقمية دعوا من خلالها المواطنين إلى منحهم الثقة لتمثيلهم تحت قبة البرلمان.
ولعلّ أبرز ما ميّز هذه الصور لجوء عدد معتبر من المترشحين إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعديل صور القوائم والملصقات الفردية.
وبينما جاءت هذه التعديلات في بعض الحالات محدودة وغير لافتة للانتباه، بدت في حالات أخرى واضحة بشكل كبير، إلى درجة غيّرت الملامح الأصلية للصور وأثارت تساؤلات حول حدود استخدام هذه التقنيات في الدعاية الانتخابية.
“وكأنهم حزب واحد”!
لم يعد الذكاء الاصطناعي حكرًا على المجالات التقنية، بل طال مختلف مناحي الحياة، ليشق طريقه أيضا إلى عالم السياسة.
من جهتها، تمنح الصورة هوية بصرية فريدة تجعل المترشح مألوفاً وقابلاً للتذكر الفوري.
في هذا الصدد أبرز سامي عيساوي وهو مختص في مجال الاعلام والاتصال والتكنولوجيات الحديثة عمل مع شركات جزائرية وعالمية، أن عددا من المترشحين والمترشحات ولّدو صور إعلان ترشحهم والملصقات التي تُعلق على اللوائح الانتخابية، بالذكاء الاصطناعي.
وهنا يشير سامي عيساوي، في اتصال مع منصة “أوراس”، إلى أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يتطلب تعليما ودراية بما يشمل إدخال كافة البيانات لتسهيل العملية.
وفي حال استخدُمت هذه التقنيات دون تعليمها ستتسبب في العديد من الأخطاء في الصورة والمعلومات المولدة، يضيف محدثنا، الذي شدد على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخطأ.
وأثار عيساوي العديد من التساؤلات بهذا الخصوص، قائلا: “كيف يمكن لمن يطمح بأن يكون مشرّعاً ألاّ يعرف مدى خطورة الذكاء الاصطناعي في استخدامه لمخاطبة جمهوره، ثم لماذا لا يتبع مترشحو الأحزاب السياسية الهوية البصرية لحزبهم كأولوية والاهتمام بها كونها تمثل جزءً من الاتصال التنظيمي والهوية المؤسساتية التي يستخدمها الحزب للترويج والتعبئة العامة”.
وبعد تحليله الخاص للوضع وتشخيصه لعدد من القوائم، يرى محدّثنا، أنه بات ضروريا على الدولة الجزائرية تثقيف كافة المؤسسات بما في ذلك الأحزاب السياسية بأهمية الهوية البصرية وما يندرج تحتها.
وأضاف: “ما حدث حاليا، وفقا لما رأيته في عدد من القوائم والصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، وكأن هؤلاء جميعهم تابعين لنفس الحزب أو القائمة”.
واعتبر عيساوي أن هذا الأمر لن يساهم في الترويج لـ”الجزائر المنتصرة” في إطار ما يتماشى مع الدبلوماسية الشبابية أو الدبلوماسية المؤسساتية والثقافية.
وأعرب المتحدث عن أمله في أن يعير هؤلاء المترشحون في حال وصولهم إلى قبة البرلمان أهمية للاتصال التنظيمي والهوياتي.
كيف تؤثر الصورة على قرار الناخب؟
تلعب الصورة البصرية للمترشح دوراً حاسماً في توجيه سلوك الناخبين وبناء شرعيته السياسية، وهو الأمر الذي تؤكده نظريات علم الاجتماع السياسي والتواصل الانتخابي.
وتُجمع النظريات الأكاديمية على أن الصورة البصرية ليست مجرد أداة زينة، بل هي لغة تواصلية مكثفة تخاطب العقل العاطفي واللاوعي للناخب قبل أن تخاطب قناعته العقلانية.
ووفقا لرواد النظرية السيميائية مثل رولان بارت، فإن الصورة السياسية (تشمل الملصقات الانتخابية، والصور الرسمية) تعمل كعلامة وتحمل دلالات صريحة وضمنية.
فزاوية الالتقاط، ونظرة العين، والابتسامة، واللباس، كلها رموز تُشفر لإرسال رسائل محددة مثل القوة والقرب من الشعب، والكفاءة، أو الأمان.
من جهته، يرى عالم الاجتماع إيرفينغ غوفمان، أن المترشح هنا ممثل مسرحي، وصورته المنشورة هي جزء من استراتيجية مدروسة للتحكم في انطباعات الآخرين، وتحويل الكاريزما الشخصية إلى رأس مال سياسي قابل للاستثمار الانتخابي.
بينما تؤكد نظريات التسويق السياسي الحديثة، أن الناخبين في كثير من الأحيان يصوتون للصورة الذهنية للمترشح وليس لبرنامجه، معتبرة أن الصورة البصرية الناجحة تختزل الوعود السياسية المعقدة في شعور بالثقة والارتياح النفسي.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين