في قلب الصحراء الجزائرية، يتشكل مشروع ضخم قد يعيد رسم ملامح قطاع الألبان في المنطقة، ويضع الجزائر وقطر أمام اختبار جديد في معركة الأمن الغذائي.

في ولاية أدرار جنوب غربي الجزائر، تتسارع وتيرة العمل في مشروع “بلدنا الجزائر”، الذي يُنظر إليه باعتباره الأكبر من نوعه عالميًا في إنتاج الحليب المجفف، باستثمار يُقدّر بنحو 3.5 مليارات دولار.

يعد المشروع منظومة متكاملة تجمع بين الزراعة والصناعة والتكنولوجيا، في محاولة لتقليص الاعتماد على الواردات وبناء نموذج إنتاجي مستدام.

وجاء هذا التقدم في أعقاب لقاء جمع وزير الفلاحة ياسين وليد برئيس مجلس إدارة مجموعة استثمار القابضة القطرية معتز الخياط، بحضور السفير القطري لدى الجزائر، في الفاتح أفريل الجاري، حيث خُصص الاجتماع لتقييم تقدم الأشغال وضبط ملامح المرحلة المقبلة. وتركز النقاش على تسريع التنفيذ، وتحسين الكفاءة، ومواجهة التحديات التقنية والبيئية التي قد تعترض المشروع.

كما شدد الطرفان على ضرورة توظيف أحدث التقنيات في إدارة المزارع الكبرى، خاصة في ما يتعلق باستخدام المياه والتربة، في ظل طبيعة المنطقة الصحراوية، بما يضمن استدامة المشروع على المدى الطويل.

لقاء الشركاء لتقييم مدى تقدم مشروع “بلدنا الجزائر” والتحديات المرتبطة به (وزارة الفلاحة)

ومن المنتظر أن يقوم وفد مشترك بزيارة ميدانية إلى موقع المشروع في أدرار خلال الفترة المقبلة، في خطوة تهدف إلى الوقوف على مدى تقدم الأشغال ومرافقة مراحل الإنجاز عن قرب.

مشروع بحجم غير مسبوق

يقوم المشروع على شراكة بين شركة “بلدنا” القطرية التي تمتلك 51% من الأسهم، والصندوق الوطني للاستثمار الجزائري بنسبة 49%. وقد انطلقت الأشغال التمهيدية في سبتمبر 2024، بعد توقيع اتفاقية إطار بين الطرفين لإنشاء منظومة زراعية صناعية متكاملة.

ويمتد المشروع على مساحة تُقدّر بـ117 ألف هكتار، موزعة على ثلاث وحدات رئيسية، تضم كل منها مزارع لإنتاج الأعلاف والحبوب، وأخرى لتربية الأبقار وإنتاج الحليب واللحوم، إضافة إلى مصنع لإنتاج الحليب المجفف ومشتقاته.

ويعتمد هذا النموذج على التكامل بين مختلف حلقات الإنتاج، بدءًا من زراعة العلف، وصولًا إلى التصنيع النهائي، في محاولة لضمان التحكم الكامل في سلسلة الإمداد.

خطة طويلة الأمد

يُنفذ المشروع على أربع مراحل تمتد لنحو تسع سنوات، على أن تبدأ أولى مراحل الإنتاج في عام 2026. وتشمل المرحلة الأولى استصلاح نحو 100 ألف هكتار، وإنشاء 700 وحدة الري المحوري، إلى جانب إطلاق أولى مزارع الأبقار وبناء أحد مصانع الحليب المجفف.

ومن المتوقع أن يصل إنتاج المشروع إلى نحو 194 ألف طن من الحليب المجفف سنويًا عند اكتماله، فيما سيبلغ عدد الأبقار حوالي 270 ألف رأس، مع إنتاج يُقدّر بـ1.7 مليار لتر من الحليب سنويًا.

وسيتم الاعتماد على سلالات أبقار منتقاة وفق معايير عالمية، لضمان إنتاجية عالية وقدرة على التكيف مع الظروف المناخية المحلية، إلى جانب استخدام أنظمة متطورة لمراقبة صحة القطيع وتحسين الأداء.

كما تخطط الشركة لتوسيع استثماراتها عبر إنشاء مجمعات مماثلة في مناطق أخرى من البلاد، ما يعزز الطابع الصناعي للمشروع ويمنحه بعدا وطنيا أوسع.

شراكات دولية وتقنيات متقدمة

ولتعزيز قدراته التقنية، استقطب المشروع عددا من الشركات الدولية المتخصصة، حيث تم توقيع عقود تفوق قيمتها 500 مليون دولار لتنفيذ المرحلة الأولى.

وشملت هذه الاتفاقيات شركات رائدة في مجالات تصنيع معدات الحليب، وأنظمة الري، والهندسة والبناء، إلى جانب شركات جزائرية محلية، في خطوة تهدف إلى نقل التكنولوجيا وتطوير الخبرات المحلية.

ويعكس هذا التنوع في الشركاء توجها نحو بناء منظومة إنتاج حديثة تعتمد على أحدث المعايير العالمية، خاصة فيما يتعلق بكفاءة الإنتاج وترشيد استهلاك الموارد.

رهانات اقتصادية واستراتيجية

يراهن القائمون على المشروع على تحقيق أهداف اقتصادية، في مقدمتها تغطية نحو 50% من احتياجات الجزائر من مسحوق الحليب، الذي يمثل أحد أبرز بنود الاستيراد الغذائية في البلاد.

كما يُتوقع أن يوفر المشروع نحو 5 آلاف فرصة عمل مباشرة، إلى جانب آلاف الوظائف غير المباشرة في قطاعات مرتبطة، مثل النقل، والصناعات التحويلية، والتغليف، والخدمات اللوجستية.

المشروع قد يسهم في تقليص فاتورة استيراد مسحوق الحليب التي تقدر ما بين 600 و800 مليون دولار سنويا، والحفاظ على احتياطي النقد الأجنبي، فضلًا عن دعم الإنتاج المحلي وتعزيز الأمن الغذائي.

أما بالنسبة لقطر، فينظر إلى المشروع كفرصة لتوسيع استثماراتها في القارة الإفريقية، وتحقيق عوائد مستقرة، مع إمكانية التوجه نحو التصدير إلى أسواق إقليمية.

الجزائر كوجهة استثمارية

في المقابل، يعكس المشروع تزايد جاذبية الجزائر كوجهة للاستثمار الأجنبي، خاصة في القطاعات الاستراتيجية. ويرى خبراء أن الشراكة مع الجانب القطري تمثل نموذجا للتعاون الاقتصادي القائم على تبادل المصالح والخبرات.