الرئيسية » تحقيقات وتقارير » المحروقات.. نِعمة أم نِقمة على الجزائر

المحروقات.. نِعمة أم نِقمة على الجزائر

البترول لعنة على الجزائر

كان لقرار تأميم المحروقات، الذي أعلن عنه الرئيس الراحل هواري بومدين في خطابه التاريخي الذي ألقاه في 24 فيفري 1971، انعكاسات حاسمة على مستقبل سوق النفط، وعزز هذا القرار التاريخي استقلال الجزائر اقتصاديا، ومكنها من بسط سيادتها على كامل الثروات المتواجدة بباطن أرضها من جهة، ومن جهة أخرى كان له أثار وخيمة على الاقتصاد الوطني الذي أصبح ريعي بامتياز، اليوم والجزائر تحتفل بالذكرى الـ 49 لتأمين المحروقات يجب أن نتوقف عند إيجابيات وسلبيات القرار على البلاد، بهذا الهدف استطلع “أوراس” مجموعة من الخبراء والأساتذة في المجال الاقتصادي والطاقوي.

التأميم قرار أثبت سيادة الجزائر  

قال أستاذ الاقتصاد سليمان ناصر، إن تأميم المحروقات أعطى للجزائر الدولة الفتية حديثة الاستقلال، الكثير من الدعم المالي مما مكنها من إطلاق التنمية وإنشاء المصانع الكبرى.

ونفس الأمر ذهب إليه الخبير الاقتصادي عبد الحميد علوان، قائلا إن الجزائر بفضل تأميم المحروقات استطاعت تأمين كل مستحقتها وكل الإنجازات الموجود اليوم من مطارات وطرق ومنشآت كبرى مصدرها قطاع المحروقات.

ورفض مهماه بوزيان خبير في الشؤون الطاقوية، النظر إلى قرار تأميم المحروقات من الجانب الاقتصادي فقط مؤكدا على ضرورة النظر إليه من جانب السيادة الوطنية التي أصبحت الجزائر تتعامل بها وهي تسوق منتوجها الطاقوي الذي درّ عليها مداخيل كبيرة جدا.

وأرجع مهماه بوزيان الفصل في إنجاز البرامج التي أقرتها الحكومات المتعاقبة على البلاد إلى الريع البترولي، وقال إن الصناعات البتروكمياوية والتحويلية والتكريرية بُعثت في السبعينيات بعد قرار تأميم المحرقات الذي وصفه بالتاريخي.

الذهب الأسود نقمة

رغم كل ما حققته الجزائر من إنجازات بفضل ما درّه عليها الذهب الأسود من أموال، لم تتمكن من صناعة اقتصاد قوي يخرجها من التبعية للخارج، وحسب أستاذ الاقتصاد سليمان ناصر فإن عائدات المحروقات جعلت من الجزائريين يعانون من بعض الأمراض المتمثلة في الكسل حيث أصبح الشعب رافض للعمل والاتكال على الدولة طغى ووصل الأمر إلى غاية الاحتجاجات الكبيرة على السكن وغيرها.

والأخطر حسب الأستاذ أن الريع البترولي علم بعض الأطراف السرقة والنهب والاختلاس، التي تتسم بها الاقتصادات الريعية في العالم والتي يصعب التخلص منها، حسب محدثنا.

وذهب بعيدا بحديثه عن تنويع الاقتصاد الذي أصبح شعاراً تغنت به كل الحكومات المتعاقبة، خاصة بعد انهيار أسعار النفط منتصف 2014 .

وفي حديثه عن مرحلة البحبوحة المالية قال سليمان ناصر أن الجزائر أنفقت الكثير من المال في سبيل شراء السلم الاجتماعي، مضيفا أن عائدات المحروقات تم استعمالها من أجل بقاء بعض الأشخاص في السلطة في عهد النظام السابق.

وقال المتحدث ذاته، إن البلاد ضيعت فرصة كبيرة في إحداث قفزة نوعية في اقتصادها في المرحلة التي بذرت فيها 1000 مليار دينار.

واعتبر سليمان ناصري أن المحروقات تحولت إلى نقمة على الجزائر بدل أن تكون نعمة لأننا لم نحسن استغلالها، ولو لم نمتلكها منذ البداية لكنا شمرنا على سواعدنا وبنينا اقتصادا متنوعا لأن البلاد تملك كافة الإمكانيات لذلك حسبه.

وأوضح حميد علوان أستاذ الاقتصاد في جامعة الجزائر 3 أن الوضع اليوم يختلف تماما عن الفترة التي تلت تأمين المحروقات مباشرة حيث أن الشركة الوطنية للمحروقات “السوناطراك” تعاني الكثير من الأزمات منها مصادر التمويل في التنقيب والاكتشاف، مؤكدا أن الأهداف المرجوة من الشركة لم تتحقق، فمثلا هي تنتج 250 ألف برميل فقط والباقي ينتج عن طريق شركات أجنبية في الوقت الذي سطر لها هدف أن تكون المهينمة على قطاع المحروقات في البلاد.

وأرجع الخبير علوان سبب الفشل إلى السياسيات التي وصفها بالعرجاء التي اعتمدت فقط على قطاع المحروقات الذي أنهك كل الاقتصاد الجزائري، فالصناعة لا تساهم إلا بـ 5 بالمائة في الناتج الإجمالي المحلي والزراعة لا تتجاوز 8 بالمائة.

وفي ذات الصدد قال المتحدث ذاته إن قطاع المحروقات كان يجب أن يكون احتياطي الاقتصاد الوطني مثل ما هو في ألمانيا.

ومن جهته تأسف الخبير الطاقوي مهماه على عدم مرافقة القرارات الاقتصادية الكبيرة بقرارات مثيلة لها على المستوى السياسي، ما أدى حسبه إلى تراجع كبير في مقدرات البلاد في الاستثمارات.

وجاء تأسف مهماه الثاني على عدم تحقيق القفزة في الاقتصاد الوطني رغم المداخيل الكبيرة التي وصلت إلى الخزينة العمومية، قائلا “لو أن الجزائر استغلت هذه المداخيل بشكل عقلاني كنا الآن في مصاف الدول المتقدمة”.

وقال المتحدث ذاته إن الدرس التاريخي الذي يجب أخذه من هذا الحدث الهام في تاريخ البلاد هو تأميم المنتجات المنجمية وتثمينها من خلال المشروع الطاقوي السلس والأمن.

الإرادة السياسية هي الحل

وأوضح سليمان ناصر أن السبيل للخروج من الأزمة الراهنة يتمحور في وجود إرادة سياسية تتجاهل تماما وجود المحروقات وليس بالشعارات.

ومن جهة أخرى قال المتحدث ذاته، إن الحكومة الحالية لم تأخذ العبرة من كل الحكومات المتعاقبة من خلال سعيها إلى استغلال الغاز الصخري مفضلا تركه للأجيال القادمة.

أما فيما يتعلق بالطاقات المتجددة فقال سليمان ناصر يجب أن يتم تجسيدها قبل فوات الأوان لأنه بعد فترة قصيرة لا تتعدى 10 سنوات لن نجد من يستهلك المحروقات لأنها ستصبح طاقة متخلفة.

وتنبأ الخبير الاقتصادي عبد الحميد علوان بتعقيد الوضع الاقتصادي في الجزائر في السنوات المقبلة، بسبب السياسيات المنتهجة من قبل المشرفين عليه رغم توفر البلاد على إمكانيات كبيرة جدا، والجزائر حسبه فشلت فشلا “ذريعا” مع كل الحكومات المتعاقبة في أن تخلق اقتصادا لا يعتمد على سعر البرميل.

ومن جهته اعتبر مهماه أن شعار “بناء اقتصاد بعيد عن المحروقات ” وهمي وقاتل لروح الوطنية لأنه ليس المطلوب من الجزائر الخروج من المحروقات بل تثمينها والتنويع الاقتصادي حسبه.

وأوضح المتحدث ذاته أن كل الصناعات بما فيها الناشئة تحتاج إلى المورد الطاقوي الفسفوري، كما يحتاج الانتقال إلى الطاقات النظيفة إلى دعم كبير من مداخيل الدولة من العملة الصعبة.

 الدولة العميقة والبترول

شدد الخبير الاقتصادي عبد الرحمن عية، على ضرورة وجود إرادة سياسية من أجل الخروج من الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الجزائر بسبب تبعيتها للبترول.

وقال عية إن هذه الإرادة لا تأتي من الرئيس والحكومة فقط، بل يجب أن تمتد إلى الدولة العميقة أو صناع القرار الحقيقيين الذين يملكون السطوة الحقيقة على القرار في البلاد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.