في قلب واحة جانت الساحرة، وتحديدًا في العاشر من شهر محرم، ينبض التراث بالحياة من جديد، حيث تتحول المدينة إلى مسرح مفتوح يستعيد ذاكرة جماعية عريقة، عبر تظاهرة “سبيبة”، أحد أبرز الطقوس الثقافية التي ما تزال متجذرة في وجدان مجتمع الطوارق، وتُعدّ شاهدة على استمرار تقاليد أصيلة تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل.
انطلقت فعاليات “سبيبة” وسط أجواء احتفالية مهيبة، جسّدت تلاحم سكان قصرَي الميزان وزلواز، في عرض تراثي مهيب يجمع بين الشعر والرقصات الرمزية وقرع الطبول والأزياء التقليدية، في تعبير جماعي عن قيم الانتصار والهوية والانتماء للوطن.
“تنفار”.. نحو التحرر
تنطلق التظاهرة بكلمة “تنفار” وتعني “تحرر”، إيذانًا ببدء الاحتفال الذي يمتد لعدة أيام.
وفي ساحة “أبتول”، تتعالى الأهازيج وتتقاطع الخطى بإيقاع جماعي يعرف بـ”تيللين”، تتداخل فيه التراتيل مع إيقاع الطبول وأصوات المشاركين، في مشهد تعبيري يلامس الروح والذاكرة الجماعية.
ومن أبرز ما يميز سبيبة هو اللباس التقليدي المعروف بـ”أغلاي ن تيكمسين”، والذي لا يُعدّ مجرد زي احتفالي، بل وثيقة ثقافية نابضة تُجسد الاعتداد بالهوية وتروي بخيوطه وتطريزاته، حكاية أبناء آزجر وصمودهم.
وقبل الوصول إلى ذروة التظاهرة، تنطلق المرحلة التحضيرية المعروفة بـ”تيمولاوين”، وهي فترة تنافس شعري وموسيقي بين القصرين، يُعرض خلالها مزيج من المهارات في الشعر والغناء والرقص، في تفاعل مفتوح مع الفضاء الصحراوي والروح الجماعية.
وتبلغ التظاهرة ذروتها في لحظة “أغلاي ن أوتاي”، حيث تتقاطع السيوف في عرض رمزي بين ممثلي قصر الميزان وزلواز، في مشهد يحمل أبعادًا رمزية تعكس مفهوم الميثاق والعبور إلى عام جديد.
وتتوشح النساء بـ”الأنغوزا”، وهي الطبول التقليدية، ليُضفن إيقاعًا خاصًا للعرض، فيما يشارك الشباب بأزيائهم المميزة وسيوفهم الرمزية في لوحة جماعية تُجسّد التلاحم والانتماء.
الهوية الحية
تؤكد “سبيبة” عامًا بعد عام أن الثقافة ليست مجرد ماضٍ محفوظ، بل هي فعل حي ومتجدد يربط الماضي بالحاضر، ويمنح للأجيال الجديدة جذورًا وهوية، وقيمًا تُعيد تشكيل الذات الجماعية في زمن سريع التغير.
وقد شهدت هذه الطبعة من المهرجان تنظيمًا محكمًا، حسب محافظ التظاهرة ناصر بكار، رغم التحديات المناخية المتمثلة في ارتفاع درجات الحرارة خلال الفترة الصباحية، حيث ساهمت مصالح الحماية المدنية وبلدية جانت في توفير الظروف الملائمة للمشاركين والزوار.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين