في فصل جديد من ملفات الفساد التي شهدتها الجزائر خلال مرحلة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، عادت قضية الوكالة الوطنية للنشر والإشهار لتتصدر المشهد القضائي، بعدما التمست نيابة القطب الجزائي الاقتصادي والمالي في الجزائر العاصمة، عقوبات مشددة ضد مسؤولين ووزراء سابقين تورطوا في واحدة من أكبر فضائح الإشهار العمومي في البلاد.

طالبت النيابة العامة بعقوبة عشر سنوات سجنًا نافذًا وغرامة مالية قدرها مليون دينار ضد الوزير الأسبق للاتصال جمال كعوان والمدير العام الأسبق للوكالة أمين شيكر، بتهم تتعلق بإساءة استغلال الوظيفة وتبديد المال العام ومنح امتيازات غير مبررة.

كما التمست عقوبة ست سنوات سجنًا نافذًا وغرامة مماثلة ضد الوزير الأسبق للاتصال حميد قرين، وثماني سنوات سجنًا في حق المدير الأسبق لفرع الاتصال والإشارات بـ”أناب”، والمدير العام الأسبق لشركة التوزيع السريع التابعة للوكالة ذاتها، في انتظار النطق بالحكم يوم 22 أكتوبر الجاري.

القضية التي وُصفت إعلاميًا بـ“أناب 2” تتعلق بتلاعب ممنهج بعقود الإشهار العمومي وتوجيهها نحو جرائد وهمية أو محدودة الانتشار، مقابل استبعاد عناوين أخرى.

وكشفت التحقيقات أن بعض المسؤولين خصصوا مساحات إعلانية لأقاربهم، في تجاوز صارخ للقانون أضرّ بالمال العام وبمبدأ تكافؤ الفرص في سوق الإعلام.

وخلال جلسة المحاكمة، دافع كعوان عن نفسه مؤكّدًا أن الإشهار “نشاط تجاري يخضع لاعتبارات ربحية وليس لقانون خاص”، نافياً أي نية في المحاباة، فيما واجهه وكيل الجمهورية بتصريحات سابقة له اعتُبرت دليلًا على منح امتيازات لجرائد بعينها.

وأوضح كعوان أن غياب قانون واضح ينظم توزيع الإشهار جعل العملية خاضعة لاجتهادات إدارية وتجارية داخلية، مضيفا أن 99 بالمئة من الجرائد التي استفادت من الإشهار كانت محدودة السحب.

التحقيقات التي قادتها المصلحة الإقليمية للتحقيق القضائي كشفت عن إدارة “كارثية” للوكالة بين عامي 2008 و2018، تضمنت محاباة سياسية وإعلانات موجهة لجهات بعينها، إضافة إلى تبديد أموال طائلة على مشاريع وهمية.

وأُودع كعوان وشيكر الحبس المؤقت منذ عام 2023، بينما يخضع آخرون للرقابة القضائية.

الملف الجديد يعيد إلى الأذهان قضية “أناب 1” التي صدرت فيها أحكام في يونيو 2025 ضد الوزير الأسبق عبد القادر خمري وعدد من مديري الوكالة، بعد كشف تجاوزات مالية تجاوزت 620 مليار سنتيم. حينها، كشفت التحقيقات عن صفقات مشبوهة وتمويل قرى ترفيهية لم ترَ النور أبدًا.

إمبراطورية الإشهار.. أداة نفوذ وسلاح ترهيب

تُعد الوكالة الوطنية للنشر والإشهار العمود الفقري لسوق الإعلانات في الجزائر، إذ تتحكم في نحو 75% من الإشهار العمومي، وتُتهم منذ سنوات باستعمال هذه الهيمنة كوسيلة ضغط على وسائل الإعلام، في ظل غياب قانون واضح وآليات رقابة صارمة تضمن الشفافية والعدالة في توزيع الإشهار.

وفي وقت سابق، وصف المدير العام الأسبق لـ”أناب”، العربي ونوغي، الوكالة بأنها كانت “وكراً للفساد والخضوع لسلطة الهاتف”، مشيرًا إلى أن أكثر من 800 مليون دولار من الإعلانات وزعت بطرق غير شفافة استفاد منها مسؤولون وأبناء نافذين، من بينهم شخصيات سياسية وعسكرية ورياضية بارزة.