الرئيسية » تحقيقات وتقارير » قوة الحراك القادمة من مدرجات الملاعب

قوة الحراك القادمة من مدرجات الملاعب

كورونا تهدد جمهور البطولة الجزائرية

لم يكن الحراك الشعبي الذي شهدته الجزائر مند الـ 22 فبراير من عام 2019، في منأى عن ما فعلته جماهير الأندية الجزائرية في مختلف الملاعب، وفيها عبّرت “الألتراس” عن رأيها تجاه نظام بوتفليقة آنذاك بترديد أغاني ورفع شعارات “تيفو”، كشفوا فيها عن معارضهم لاستمراره في الحكم، وطالبوا بإسقاط العهدة الخامسة.

امتدت موجة جماهير الملاعب إلى الشارع، يومي الثلاثاء والجمعة ليتبنى المتظاهرون هذه الأغاني والشعارات.

المدرجات.. المتنفس الوحيد

المدرجات.. المتنفس الوحيد

المدرجات.. المتنفس الوحيد

تُعد الملاعب مُتنفس الأنصار للتعبير عن معاناتهم، ورفع أصواتهم ضد الحكام إيمانا منهم أن هؤلاء هم من تسببوا في تردي أوضاعهم الاجتماعية، وهو ما أكده لنا أحد المنتمين لـ “ألتراس” مولودية الجزائر والتي أخذناها كعينة، بما أن النادي يملك أكبر قاعدة شعبية حسب رأي عديد المتابعين للشأن الكروي الجزائري.

واعتبر الصحفي والناقد الرياضي حسين جناد، أن هذه الفئة تُمثل طبقة الشعب البسيط، اختارت المدرجات للمطالبة بتحسين أوضاعها مع توالي الأنظمة السياسية، مؤكدا أن الظاهرة ليست وليدة اللحظة فهي امتداد لأحداث أكتوبر 1988.

وكانت هذه المدرجات هي الحاضنة للشعارات والأغاني السياسية المُعارضة، طالما كان النظام السابق يُحقق مطالب أخرى، بعيدة كل البعد عن مطالب التغيير السياسي الجذري في منظومة الحكم -وفق بكيس-.

وعن الفئات التي يتشكل منها هؤلاء الأنصار، أكد لنا عضو “ألتراس” مولودية الجزائر، أن غالبية مناصري العميد ينتمون إلى أحياء شعبية في الجزائر العاصمة كالقصبة وباب الواد، هم مواطنون على غرار غالبية المناصرين في الجزائر، يعانون الفقر والحرمان والبطالة والتهميش الذي سببه نظام بوتفليقة السابق.

وبما أنهم مواطنون قبل أن يكونوا أنصارا للكرة، اتخذوا من ملعب 05 جويلية والملاعب التي كانت تتنقل إليها المولودية، مسرحا للوقوف في وجه ما اعتبروه ظلما وقهرا لأحلامهم ومتطلبات حياتهم اليومية، كسائر أنصار باقي الفرق الجزائرية الذين عبّروا عن المشاكل الخاصة بالمناطق التي ينتمون إليها، كل بطريقته ولهجته .

إرهاصات الاندماج مع الحراك

إرهاصات الاندماج مع الحراك

إرهاصات الاندماج مع الحراك

اندماج شعارات و”تيفوات” أنصار المدرجات، مع الحراك كان ضرورة لا مفر منها لاعتبارات عديدة، منها الآنية المتماشية مع أي ظرف راهن والصبر على المدى الطويل لتحقيق المطالب.

احتياج الحراك إلى “ريتم” معين، يتماشى مع النفس الطويل من أجل تحقيق المطالب، ورفع المعنويات، جعل من الشعارات والأغاني التي تُردد في المدرجات هي الأداة الأمثل لشحذ همم المتظاهرين، المُعرّضين للإحباط في أي لحظة حسب دكتور الاجتماع بكيس.

ويعتبر الصحفي جنّاد أن توافد الأنصار في ساعات مبكرة على المدرجات لانتظار انطلاق المباريات، وتلك المعاناة الكبيرة لهذه الشريحة، وهي تقاوم مختلف الظروف الصعبة، كالحر وتساقط الأمطار وقبلها المسافات البعيدة من أجل التنقل إلى الملاعب، هي تجربة مفيدة وكانت ضرورية لانصهارها بين صفوف المتظاهرين.

كما أن تحيين أنصار المدرجات لأغانيهم وشعاراتهم، في كل مرة كان يتغير فيه اسم وزير أو مسؤول ما في هرم السلطة، أمر اعتبره الدكتور بكيس بمثابة “الدينامو” المثالي الذي كان ينقص الحراك في سيرورة أحداثه.

وفي السياق ذاته أوضح الناقد الرياضي جناد، أن أنصار المدرجات لطالما أحسوا بالفوارق الاجتماعية بينهم وبين المسؤولين، الذين يحضرون إلى مدرجات الملاعب، ليُؤكدوا أن الانتظار لساعات طويلة في ظروف صعبة، في حين يطل عليهم المسؤولون في سيارات فاخرة ومكيفة لمشاهدة المباريات في ظروف أحسن بكثير، كان يُوَلّد الرغبة الجامحة في التعبير عن ذلك الواقع المُعاش، بجمل وعبارات تُشكل أغاني آنية للحظة ذاتها.

كما أن المظاهرات التي شهدها العالم مؤخرا، والمتميز بنوع من التسلية والترفيه، حتّمت على المشاركين في المسيرات اكتشاف حلول وطرق تُساعدهم على تخفيف ضغط امتداد زمن الحراك، فوجدوا في شعرات وأغاني المدرجات والفرجة التي يصنعها الأنصار ملاذا مثاليا لمواصلة حراكهم بدون ملل وكلل وهو ما أكده لنا نوري بكيس.

وفي السياق ذاته اعتبر مناصر المولودية أن هذه الألحان والكلمات، المستعملة من قبل المناصرين، حيَرت كبار المُؤلفين والمُلحنين في مختلف الطبوع، لما تملكه من ريتم سريع ومحبوب، يساعد على الهٌتاف والتشجيع لفترات طويلة دون الإحساس بالملل والتعب، وهو الأمر الذي اعتبره حسين جناد علامة مميزة للأنصار الجزائريين.

وتُعتبر طبيعة هذه الجماهير التي تشكل كتلة معارضة حسب الدكتور بكّيس، من بين الأسباب التي ساهمت في اندماجها مع الفئات الأخرى المٌشكلة لمسيرات الحراك.

ويوضح المتحدث ذاته أن القوة التي تستمدها الجماهير، تكمن في لحظة تواجدها كمجموعة وليس كأفراد، مما يُشكل نوع من الاحتماء الجماهيري المعارض، الذي لا ينتمي إلى المنظومة السياسية، والذي شكل الضمير السياسي للمجتمع، والمتواجد في المدرجات حسب بكيس.

مشهد الانصهار

مشهد الانصهار

مشهد الانصهار

إن فئة الأنصار هو جزء نسبي لا يتجزأ من مختلف فئات الحراك، التي شاركت وما زالت تشارك فيه، ومع الأسباب السالفة الذكر، يؤكد بكّيس أن احتضان المتظاهرين لهذه الأغاني والشعارات كان مجرد تحصيل حاصل، لمراحل متعددة انصهرت في قالب واحد مع هذه العوامل.

ويعتبر الناقد الرياضي جناد أن مشاركة مختلف أنصار الفرق في الحراك، أعطى تنوعا كبيرا من حيث ريتم الأغاني ونوعية الشعارات المرفوعة، إضافة إلى إضفاء جمالية المشاهد على يومي الثلاثاء والجمعة، أين كان التطابق بصفة كبيرة، مع تلك الأجواء التي نشاهدها في مختلف “ألتراس” الأندية والمنتخب الجزائري.

المُتجول في شوارع العاصمة مثلا يومي الثلاثاء والجمعة، يُدرك تماما تلك البصمة التي خلفها الأنصار، سواء بالأغاني والشعارات وامتدت حتى إلى ألبسة المتظاهرين.

كما أن أنصار نادي برج بوعريريج صنعوا الاستثناء حسب عديد المتابعين، فلا يختلف اثنان على ضخامة وجمالية تلك “التيفوات” التي عُلّقت على ما أُطلق عليه “قصر الشعب”، وعكست أجواء المدرجات الرائعة على أرض الحراك.

ويعتبر نوري بكيس أن ما أسماه تـأطيرا أُفقيا للمسيرات، ساهم بشكل أساسي في تحلّي هؤلاء المناصرين بسلمية الحراك، فالمُتابع للشأن الجزائري مند الـ 22 فبراير من العام الماضي، يُدرك ذلك الوعي الكبير لهذه الفئة التي تحملت هي أيضا مسؤولية الخروج بالجزائر من محنتها الصعبة إلى بر الأمان حسب المُتحدث ذاته.

ويُؤكد مناصر المولودية أن الأفراد المُشكلين لهذه الفئة، بمختلف مستوياتهم التعليمية والثقافية، هم أفراد على قدر كبير من الوعي والمسؤولية، لم يحيدوا أبدا على سلمية الحراك التي حيّرت العالم، بل اتخذوه مبدأ أساسيا في المسيرات.

النقطة السوداء..

يقول متابعون إن هؤلاء الأنصار لم يأخذوا حقهم من التغطية الإعلامية بشتى أنواعها، سواء في المدرجات أو خلال مشاركتهم في مسيرات الحراك في شوارع.

وأكد الناقد الرياضي جناد أن العزاء الوحيد لهؤلاء، كان منصات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى منبر الأنصار الوحيد، ورافقهم من المدرجات وإلى غاية الانصهار مع باقي الفئات المشاركة في المسيرات.

وكان من الواجب وبكل مصداقية وحيادية، التطرق إلى كل المحطات التي عايشتها هذه الفئة على مدار عام كامل من مسيرات الحراك الشعبي، لكن العكس الذي وقع حسب جناد، الذي اعتبر هذه الفئة ما زالت مُهمشة إعلاميا وبصفة كبيرة، مقارنة بجيراننا في المغرب العربي.

ومن جهته اعتبر المناصر المنتمي إلى “ألتراس” العميد، أن هذا التهميش لم يثن من عزيمتهم، ولم يضعف معنوياتهم، لطالما أن الأمر يتعلق بمستقبل الجزائر، فمجرد سماع المتظاهرين يُرددون أغانيهم وينتهجون نهجهم وطريقتهم في كتابة وحمل الشعارات، هو شرف كبير لهم، حسب المتحدث ذاته، الذي أكد أن هذا الأمر هو فخر لكل مناصر جزائري، جعل من حنجرته أداة لإعلاء الحق في وجه الباطل، من أجل بناء وتشييد جزائر جديدة، تَسع كل فئات المجتمع دون تمييز وإقصاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.