مثل هذا اليوم وقبل 64 سنة، في 20 أوت 1956 عُقد مؤتمر الصومام في مرحلة حاسمة جدا من تاريخ الثورة الجزائرية وسط الكثير من التناقضات والتي وصلت حد الاتهام بالخيانة أثناء الثورة وبعد الاستقلال، وفي هذا التقرير جمعت أوراس شهادات لعدد من المؤرخين من أجل معرفة معرفة حقيقة المؤتمر الذي أسس للدولة الجزائرية.
أول انقلاب في تاريخ الجزائر
وصف الباحث صالح لغرور في الكثير من التصريحات التي أدلى بها بخصوص موضوع مؤتمر الصومام مخرجاته بالعبء على قادة الثورة في الداخل، بالرغم من أنه أعطى تنظيما جديدا للمناطق سياسيا وعسكريا
وقال لغرور إن “المؤتمر تسبّب في أزمة القيادة التي لم يتعرض لها المؤرخون ببعض التفصيل باستثناء محمد حربي الذي أشار إليها في بعض كتاباته، هو أن اللقاء عُقد دون استشارة ومشاركة بعض الأطراف الأساسية التي بادرت إلى العمل “المسلح وفرضت وجود الثورة في الميدان، وهي أساسا المنطقة الأولى أوراس.
وأوضح الباحث أن القضية أكبر من عدم حضور ممثلين عن منطقة الأوراس، بل يتعداها إلى عدم استشارتهم بخصوص عقده.
ويُرجع الباحث سبب عقد المؤتمر في 20 أوت إلى معرفة كريم بلقاسم باستشهاد مصطفى بن بولعيد، نافيا جهل قادة المؤتمر بخبر استشهاده.
كما تطرق الباحث إلى عدم مشاركة قادة الثورة في الخارج وممثلين عن الجالية الجزائرية في أوروبا الذين كان لهم دور كبير في الثورة.
وأعاب لغرور إقرار المؤتمر للمركزية المفرطة التي لا تتماشى وتقنيات حرب العصابات المعمول بها في الثورة من جهة.
ومن جهة أخرى أعاب عليه أيضا ما وصفه بـ “الانحراف عن أحد المبادئ الأساسية لبيان أول نوفمبر، وتصنيف قادة الداخل والخارج في مرتبة، وأولوية السياسي على العسكري، مع اختيار قيادة جديدة أغلبيتها من غير المبادرين للكفاح المسلح، “بل منهم من كان ضده أصلا.
وبناء على كل هذا إعتبر الباحث صالح لغرور مؤتمر الصومام أول انقلاب في تاريخ الجزائر.
الصومام هيْكل الثورة
ويرى رابح لونيسي أستاذ بجامعة وهران في حديثه لأوراس أنه “لا يمكن لأي أكاديمي أن ينفي الدور الكبير لمؤتمر الصومام في تنظيم الثورة وهيكلتها، لأن نواة الدولة الجزائرية المستقبلية حددت في المؤتمر، كما وضع أيضا تنظيما إداريا وسياسيا وعسكريا أثبت فعاليته ضد الاستعمار.
وأوضح لونيسي أن “المؤتمر هيكل ونظم الثورة كلها، وحدد مبادئها، حتى شروط التفاوض مع الاستعمار الفرنسي، وشرع في إقامة نواة الدولة الوطنية، فالمؤسسات الشرعية للثورة التي بدأ تجسيدها الفعلي في أرضية الصومام، لم تكن إلا إثراء عملي ومؤسساتي لبيان أول نوفمبر1954، فقد وضعت الأرضية النواة الأولى لمؤسسات الدولة الجزائرية سياسيا وعسكريا وإداريا”.
وأضاف لونيسي أن “الثورة الجزائرية منذ مؤتمر الصومام شرعت في إقامة نواة دولة-الأمة الجزائرية كلها من خلال المجلس الوطني للثورة الجزائرية التي مثلت فيه كل التوجهات الأيديولوجية والشرائح الاجتماعية ومناطق البلاد، وهو بمثابة مؤسسة تجسد السلطة العليا للأمة كلها وسيادتها، وقد انبثق عنه لجنة تنسيق وتنفيذ، وهي بمثابة حكومة مصغرة، والتي تحولت في 19 سبتمبر1958 إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وهي مسؤولة أمام المجلس الوطني للثورة الذي يعينها”.
وأشار الباحث لونيسي إلى أن “مؤتمر الصومام حدّد للثورة نظاما إداريا وعسكريا وسياسيا أثبت فعاليته في الميدان، وكان وراء الانتصار على فرنسا الاستعمارية، ويتمثل هذا التنظيم الإداري في تقسيم البلاد إلى ولايات ومناطق ونواحي لمواجهة الاستعمار، وتمتلك صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها”.
الصومام وبيان نوفمبر
وأوضح رابح لونيسي أن “أرضية الصومام شرحت نداء نوفمبر1954 جيدا كي لا تترك أي تأويل فيما بعد، مؤكدا أن المشروع الصومام ينطلق من أدبيات حركة انتصار الحريات الديمقراطية وحزب الشعب الجزائري، خاصة في مؤتمر الحزب في 1952”.
وقال لونيسي “إن كل من يحاول إعطاء نداء أول نوفمبر مفهوما آخرا هو محرّف للحقيقة، ويريد سرقة رأسمال رمزي لصالحه، فلا يوجد أي تناقض بين أرضية الصومام ونداء أول نوفمبر1954 الذي جاء قصيرا جدا يحتاج إلى تفصيل أكثر”.
الإسلام والصومام
أما بخصوص إثارة البعض الأطراف لشبهة أن أرضية الصومام تخلت عن مبدأ “إسلامية الدولة” الذي يدعو له بيان أول نوفمبر، فأوضح لونيسي أن خطابات الثورة كانت توجه إلى الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي لكسب دعمه، ولم تتخلّ عن المبدأ.
وقال الأستاذ “إن البعض يرى أن هذا المبدأ وُضع لضمان التحاق جمعية العلماء بالثورة، والوحيد الذي طلب بإضافته ضمن لجنة الستة حسب شهادة بوضياف هو بن بولعيد”.
مضيفا “كما أن هذا المبدأ ليس معناه إقامة دولة إسلامية كما يعتقد البعض، بل هو احترام المبادئ العامة للإسلام فقط، وعدم مناقضتها عند استيراد أي أنظمة أو قوانين”.
بن بلة وظف الدين ضد الصومام
واتهم الأستاذ لونيسي الرئيس الراحل أحمد بن بلة باللعب على وتر الإسلام للطعن في المؤتمر لأعراض سلطوية، قائلا: “هي عملية توظيف الدين في صراع سياسي حول السلطة والنفوذ مع عبان رمضان”.
كشف لونيسي عن لوم بن بلة لعبان رمضان لأنه ضم جمعية العلماء للثورة.
وتساءل لونيسي عن السبب الذي جعل الرئيس الراحل بن بلة لا يطبق المبادئ الإسلامية عند توليه السلطة في 1963 وتطبيقه للاشتراكية.
“كان بن بلة يصف جمعية العلماء الجزائريين المسلمين بالرجعية والتخلف” حسب تصريح الأستاذ.
وقال لونيسي إن الأفكار اليسارية هي الغالبة والمسيطرة على أغلب قيادات الثورة آنذاك، بما فيهم بن بلة وبقي الكثير منهم بنفس الأفكار حتى وفاتهم، ولم يكن الدين آنذاك إلا مسألة شخصية، وليس معيارا لتحديد مواقف أو سياسات أو الحكم على الأشخاص.
السياسة تشوّه التاريخ
وأوضح المؤرخ محمد لحسن زغيدي في اتصال مع أوراس أن الجدل الحاصل حول مؤتمر الصومام يصنعه المتطفّلون على التاريخ وليس المؤرخون والتاريخ حسبه هو عبارة عن حقائق ليس فيها جدل.
ورفض زغيدي الدخول في هذا الجدل قائلا: “اليوم يوجد أُناس يقومون بالسياسية من خلال إقحام التاريخ” مؤكدا أن لهم أهداف سياسية.
وأضاف زغيدي أن التاريخ في الجزائر دائما يوظف لأغراض سياسية لأنه لا يوجد من يحميه.
وحمّل المؤرخ النظام الجزائري مسؤولية عدم حماية التاريخ وتركه عرضة للألعاب السياسية، قائلا :”يجب على الدولة حماية الذاكرة والتاريخ لأنه يساوي وحدة الأمة والشعب، التاريخ ليس ملك لشخص هو ملك للجميع وليس من حق أي شخص أن يطعن فيه أو أن يقول فيه الأقاويل لأن التاريخ هو أحداث حدثت وانتهت”.
وقال زغيدي “إن الثورة الجزائرية ثورة ناجحة والدليل على ذلك أنها حققت المبدأ الذي ثارت من أجله وكسرت أكبر نظام استعماري في العالم ومن غير الجائز الطعن في هذا النجاح”.
الطعن في المؤتمر
ودعا زغيدي إلى عدم الوقوع في فخ الطعن في مؤتمر الصومام، معتبرا الرد على الطاعنين فيه تزكية لرأيهم بطريقة غير مباشرة.
وأضاف المؤرخ أن زرع الشك يكون في العمل الفاشل وليس الناجح.
واستغرب زغيدي من الاعتراف بالرائد والعقيد ومجلس الثورة والحكومة المؤقتة وهي من مخرجات مؤتمر الصومام الذي يطعنون فيه.
من جهة أخرى أكد زغيدي أن الطاعنين في المؤتمر ليسوا مؤرخين كبار بل هم من أصحاب شهادة دكتوراه “قص ولصق”، ولم “يكتبوا مقالا في مسيرتهم”.
وفي وصفه للمنتقدين للمؤتمر قال المؤرخ “ليس كل من له شهادة الدكتوراه مؤرخ”، مؤكدا أن “الذي طعن في المؤتمر لم يقرا بيان أول نوفمبر ناهيك عن وثيقة الصومام التي لم يراها أصلا، وهم يأخذون سمعا فقط”.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين