دعا وزير المالية عبد الكريم بو الزرد المواطنين والتجار إلى الانخراط في إجراءات المصالحة الجبائية التي نص عليها قانون المالية لسنة 2026، معتبرا أنها خطوة محورية لإعادة تنظيم العلاقة بين الإدارة الجبائية والمكلفين بالضريبة، وتعزيز تعبئة الموارد غير البترولية.

المصالحة الجبائية

أكد الوزير في رده على أعضاء مجلس الأمة على هامش مناقشة مشروع قانون تسوية الميزانية لسنة 2023، أن هذه الإجراءات تأتي في سياق سعي الدولة إلى إرساء انضباط مالي أكبر ورفع مستوى الامتثال الضريبي، من خلال تطهير الساحة الجبائية وتحفيز الفاعلين الاقتصاديين على تسوية وضعياتهم، بما يساهم في توسيع القاعدة الضريبية وتحسين موارد الخزينة العمومية خارج قطاع المحروقات.

وأشار إلى أن تطوير الجباية العادية أصبح توجها استراتيجيا، مدعوما بثلاث ركائز أساسية تشمل تحسين تحصيل الموارد، تسريع الرقمنة، وتفعيل التدابير الجديدة التي جاء بها قانون المالية 2026، معبرا عن تفاؤله بمستقبل الإيرادات الجبائية.

وفي محور تحديث أدوات التمويل، أبرز الوزير أن إطلاق الصكوك السيادية قبل شهرين شكل محطة بارزة في مسار تطوير المنظومة المالية، حيث لقيت هذه الأداة تجاوبا ملحوظا من السوق، مع تحقيق نحو 80 بالمائة من الهدف المسطر والمقدر بـ300 مليار دينار.

وأوضح أن هذه الصكوك تمثل آلية فعالة لتعبئة الأموال وتدويرها داخل الاقتصاد الوطني، ما ينعكس إيجابا على تنشيط الخدمات المالية وتمويل المشاريع الاستثمارية في القطاعين العام والخاص، إلى جانب تعزيز دور البنوك كوسيط رئيسي في توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج.

اختلالات ومراجعة شاملة للاستثمارات

في سياق إصلاح المالية العمومية، كشف الوزير توجه لاعتماد نظام محاسبي حديث قائم على مبدأ الحقوق والواجبات، بدلا من النظام الحالي الذي يعتمد على تسجيل المداخيل والمصاريف فقط.

وفي تشخيص صريح، أقر الوزير بوجود مشاريع استثمارية يعود تاريخها إلى 20 و25 سنة لم تر النور، ما أدى إلى تضخم تكاليفها بشكل كبير نتيجة التأخر في الإنجاز وإعادة التقييم المستمرة.

وهذه الاختلالات، بحسب الوزير، تبين ضعفا في المتابعة والبرمجة، وهو ما دفع السلطات إلى إطلاق عملية تطهير لمحفظة الاستثمارات، بهدف إعادة ترتيب الأولويات وضمان النجاعة في استخدام الموارد العمومية.

وفيما يتعلق بالتحول الرقمي، أكد الوزير أن الجزائر بلغت مرحلة متقدمة في رقمنة المالية العمومية، غير أن التحدي الحالي يكمن في الاستغلال الأمثل لهذه الأنظمة، وتوجيهها نحو تحقيق أهداف ملموسة تتعلق بالشفافية، ترشيد النفقات، وتحسين الأداء المالي.

ترشيد النفقات

أوضح الوزير أن سياسة ترشيد الإنفاق ترتكز على جانبين أساسيين، جانب قانوني لضمان احترام القواعد ومنع أي تسربات أو تبذير وجانب إجرائي يهدف إلى تحسين توجيه الموارد نحو المشاريع ذات الأولوية.

وأشار إلى أن المؤشرات الحالية تعكس تحسنا تدريجيا بفضل الإصلاحات الجارية واعتماد الرقمنة في التسيير.

وفي تقييمه للوضع الاقتصادي، أكد الوزير أن الجزائر تحتل موقعا ضمن المعايير الدولية المقبولة في مجال مناخ الأعمال، رغم استمرار بعض القيود الإدارية التي قد تؤثر على ديناميكية الاستثمار، مشدداً على أن الاتجاه العام يبقى إيجابياً.

وفي ملف الدعم، شدد الوزير على أهمية وعي المواطن بالتكلفة الحقيقية للدعم العمومي، سواء كان مباشرا أو غير مباشر، معتبرا أن ترشيد النفقات مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

وأوضح أن الدعم لا يقتصر على المواد الأساسية مثل الخبز والحليب، بل يشمل أيضا الكهرباء والطاقة والخدمات العمومية، ما يستدعي تبني ثقافة اقتصادية جديدة قائمة على الاستهلاك الواعي وتفادي التبذير.

وأكد في هذا السياق أن الهدف ليس تقليص الدعم، بل ضمان استدامته من خلال تعزيز وعي المواطنين بأهميته وتأثيره على التوازنات المالية للدولة.