وجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام اختبار جديد لسياسة الهجرة وحماية حدوده الخارجية، بعدما فجرت موجة عبور غير مسبوقة نحو مدينة سبتة الإسبانية انقساما واسعا بين الدول الأعضاء، وأعادت إلى الواجهة الخلافات بشأن مستقبل اتفاقية شنغن وتقاسم مسؤولية حماية الحدود الأوروبية.
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الإنساني أو الأمني، بل تحولت إلى مواجهة سياسية بين عدد من العواصم الأوروبية، بعد مطالبة حكومات بتشديد الرقابة على الحدود، ووصول الانتقادات إلى حد الدعوة لتعليق مشاركة إسبانيا في فضاء شنغن، في حين رفضت المفوضية الأوروبية أي مساس بعضوية مدريد، مؤكدة أن الاتفاقية لا تسمح قانونيا باستبعاد أي دولة عضو.
وتصدرت إيطاليا المواقف الأكثر تشددا، بعدما دعت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إلى تعليق مشاركة إسبانيا في منظومة شنغن، وهو طرح أيدته فنلندا والدنمارك، بينما أعادت روما فرض إجراءات رقابية على حدودها الجوية والبحرية مع إسبانيا.
كما شددت فرنسا الرقابة على حدودها مع إسبانيا بأوامر من الرئيس إيمانويل ماكرون، ورفعت عدد عناصر الشرطة والدرك المنتشرين على الحدود إلى خمسة أضعاف، فيما طالب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول المفوضية الأوروبية بإعطاء أولوية قصوى لحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، معتبرا أن القارة تجنبت أزمة هجرة أكبر، رغم استمرار التوتر.
وفي براغ، اعتبر رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش أن ما جرى في سبتة يعكس نتائج سياسة الحكومة الإسبانية تجاه الهجرة، منتقدا ما وصفه بتسهيل تقنين أوضاع المهاجرين غير النظاميين، ومؤكدا أن ذلك يتعارض مع نهج الاتحاد الأوروبي في حماية حدوده الخارجية.
كما وصف وزير الخارجية التشيكي بيتر ماسينكا الأزمة بأنها تحد خطير لمنظومة شنغن، مع تأكيده أن أوروبا تحتاج إلى شركاء، وفي مقدمتهم المغرب، للحد من الهجرة غير النظامية.
أكبر موجة عبور منذ سنوات
جاءت هذه المواقف بعد إعلان وزارة الداخلية الإسبانية دخول ما يقارب 60 ألف مهاجر إلى مدينة سبتة، الواقعة على الساحل الشمالي للمغرب والخاضعة للإدارة الإسبانية، خلال يوم واحد، في أكبر موجة عبور تشهدها المدينة منذ أزمة عام 2021.
وأكدت الوزارة أن السلطات تمكنت من إعادة أكثر من 37 ألف شخص في الساعات الأولى، بمعدل بلغ نحو 150 شخصا في الدقيقة، قبل أن ترتفع حصيلة العائدين لاحقا إلى 48 ألفا و300 مهاجر، فيما بقي أقل من ألفي شخص داخل المدينة.
ووصف رئيس السلطة المحلية في سبتة، خوان خيسوس فيفاس، ما حدث بأنه “غير مسبوق”، مشيرا إلى أن عدد الوافدين يعادل نحو 70 بالمائة من سكان المدينة البالغ عددهم قرابة 84 ألف نسمة، مؤكدا أن البنية التحتية والخدمات المحلية أصبحت عاجزة عن استيعاب هذا التدفق.
وأضاف أن ما شهدته سبتة يعادل، من حيث التأثير، دخول عشرات الملايين من الأشخاص إلى إسبانيا خلال يوم واحد، في إشارة إلى حجم الضغط الذي تعرضت له المدينة.
حصيلة ثقيلة للضحايا
أسفرت موجة العبور الجماعي عن ارتفاع مستمر في عدد الضحايا، إذ أعلنت السلطات الإسبانية وصول حصيلة الوفيات إلى 67 شخصا، بعدما كانت التقديرات الأولية تشير إلى 34 ثم 57 وفاة.
وأوضحت السلطات أن معظم الضحايا غرقوا أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى منطقة تاراخال الحدودية، بينما واصلت فرق الإنقاذ والغواصون عمليات البحث عن مفقودين في المياه القريبة من الحدود.
واعتبر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن موجة العبور الجماعي تمثل “انتهاكاً للسيادة الإقليمية الإسبانية”، مؤكداً أن حكومته لن تسمح باستمرار هذا الوضع.
وشدد سانشيز على أن السلطات ستواصل إعادة المهاجرين وفق القانون الإسباني والالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، مؤكدا أن الأزمة تتطلب موقفا أوروبيا موحدا، وليس تبادل الاتهامات بين الدول الأعضاء.
الحاجز العائم.. أحدث إجراءات مدريد
في محاولة لاحتواء الأزمة، شرعت السلطات الإسبانية في نشر حاجز هوائي عائم بطول يقارب 500 متر قبالة معبر تاراخال البحري الفاصل بين مدينة سبتة ومدينة الفنيدق المغربية، في خطوة تهدف إلى الحد من تدفق المهاجرين غير النظاميين عبر البحر.
ويتكون الحاجز من جزء ظاهر فوق سطح الماء يتراوح ارتفاعه بين 30 و70 سنتيمترا، إضافة إلى جزء مغمور يصل عمقه إلى متر واحد، مدعوم بخط من العوامات البحرية التي وفرتها البحرية الإسبانية.
وترى الحكومة الإسبانية أن هذه المنشأة ستساعد على اعتراض محاولات العبور، كما ستتيح تطبيق الإعادة الفورية على الأشخاص الذين يتجاوزون وسائل الحماية الحدودية، انسجاما مع تفسير المحكمة العليا الإسبانية.
وأكدت مدريد أن نشر الحاجز، بالتزامن مع التعزيزات الأمنية والعسكرية، أدى إلى انخفاض ملحوظ في محاولات العبور، حيث لم تسجل سوى محاولات محدودة تمكنت السلطات المغربية من إحباط معظمها، فيما تواصل نحو عشر وحدات بحرية إسبانية ومغربية مراقبة المنطقة الحدودية.
امتداد الأزمة إلى مليلية
لم تتوقف تداعيات الأزمة عند سبتة، إذ شهد الشريط الحدودي مع مدينة مليلية محاولة عبور جماعية جديدة شارك فيها نحو 500 شخص، وسط استنفار أمني واسع.
وأفادت وسائل إعلام إسبانية بأن عددا محدودا من المهاجرين تمكن من الوصول إلى الجانب الإسباني، بينما واصلت قوات الأمن إحباط بقية المحاولات ومنع اختراق السياج الحدودي.
وأعادت هذه التطورات المخاوف من انتقال موجات العبور الجماعي إلى نقاط حدودية أخرى بين المغرب وإسبانيا، في حال استمرار الضغوط على مدينة سبتة.
وتكتسب سبتة ومليلية أهمية استراتيجية كبيرة، إذ تمثلان المنطقتين الإسبانيتين الوحيدتين الواقعتين في شمال أفريقيا، وتشكلان الحدود البرية الوحيدة بين الاتحاد الأوروبي والقارة الإفريقية.
ولهذا السبب، ينظر الاتحاد الأوروبي إلى أي اضطراب أمني أو موجة هجرة في المدينتين باعتبارها قضية أوروبية تتعلق بحماية الحدود الخارجية للاتحاد، وليس مجرد شأن إسباني داخلي.
ورغم وصول آلاف المهاجرين إلى سبتة، فإن دخول المدينة لا يعني تلقائيا الوصول إلى بقية الأراضي الإسبانية أو دول الاتحاد الأوروبي، إذ يخضع الوافدون لإجراءات أمنية وقانونية قبل البت في أوضاعهم، فيما تتم إعادة القسم الأكبر منهم إلى المغرب.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين