مع دخول الجزائر مرحلة استغلال أحد أكبر احتياطيات الزنك والرصاص في العالم بمنجم تالة حمزة وادي أميزور بولاية بجاية، وقّع الوزير الأول سيفي غريب في 30 مارس مرسوماً تنفيذياً يحدد القواعد العامة لحماية العمال من أخطار التعرض للرصاص ومركباته، في خطوة استباقية لمرافقة التحولات الصناعية المرتقبة في القطاع المنجمي.
إطار قانوني لتعزيز الوقاية المهنية
يستند المرسوم الصادر في العدد 28 من الجريدة الرسمية إلى أحكام قانون الوقاية الصحية والأمن وطب العمل، حيث يضع إطاراً تنظيمياً مفصلاً يهدف إلى الحد من المخاطر المهنية المرتبطة بالرصاص، المعروف بتأثيراته الخطيرة على صحة الإنسان، خصوصاً على الجهاز العصبي والتناسلي نتيجة التعرض المزمن أو المباشر.
ويرتكز هذا الإطار على مقاربة وقائية استباقية تقوم على تقليص التعرض للرصاص إلى أدنى مستوى ممكن داخل بيئات العمل الصناعية، مع إدخال أنظمة إنتاج مغلقة تسمح بعزل المواد والعمليات بشكل كامل لتفادي أي احتكاك مباشر بين العمال ومركبات الرصاص.
كما يعتمد المرسوم على توسيع استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة مثل الروبوتيك والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، بهدف تنفيذ المهام الخطرة آلياً وتقليل التدخل البشري في البيئات الملوثة، بما يرفع من مستويات السلامة المهنية ويحسن ظروف العمل.
مراقبة طبية دقيقة للعمال
في الجانب الصحي، ألزم المرسوم المؤسسات بإعداد بطاقة طبية فردية لكل عامل تحت إشراف طبيب العمل، تُستعمل خلال مختلف مراحل المتابعة الطبية سواء عند التوظيف أو الفحوصات الدورية أو استئناف العمل أو إعادة التوجيه المهني، بما يسمح بتقييم دقيق للحالة الصحية.
كما فرض مراقبة طبية دورية تشمل قياس نسبة الرصاص في الدم باعتباره المؤشر الأساسي لدرجة التعرض، إلى جانب قياس تركيزه في الهواء داخل أماكن العمل، مع تحديد سقوف تنظيمية صارمة لا يجوز تجاوزها حفاظاً على صحة العمال.
إجراءات صارمة عند تجاوز الحدود
يمنع المرسوم استعمال الرصاص الأبيض وهيدروكربونات الرصاص بشكل قطعي، نظراً لخطورتها العالية على الصحة والبيئة المهنية، مع إلزام المؤسسات بالتدخل الفوري عند تسجيل أي تجاوز في نسب التعرض عبر تقليصه أو إبعاد العمال مؤقتاً عن مصادر الخطر.
وفي حال تجاوز القيم المحددة، يتعين على طبيب العمل إبلاغ اللجنة المتساوية الأعضاء للوقاية الصحية والأمن ومفتشية العمل وهيئة الضمان الاجتماعي، قصد اتخاذ التدابير اللازمة لإعادة مستويات التعرض إلى الحدود المسموح بها.
متابعة صحية بعد التعرض وتنظيم إداري صارم
كما تنص المادة 17 على إخضاع العمال المغادرين للمؤسسة لأي سبب كان لفحص طبي نهائي يشمل الفحوصات العيادية والبيولوجية والسمية، مع إلزام المؤسسات بالاحتفاظ بملفاتهم الطبية لمدة عشر سنوات بعد انتهاء التعرض.
وفي حالة تغيير المستخدم، يتم تحويل الملف الطبي إلى المؤسسة الجديدة، أو إلى طبيب العمل المختص في حال توقف النشاط، لضمان استمرارية المتابعة الصحية للعامل عبر مختلف مراحل حياته المهنية.
تنظيم بيئة العمل والرقابة التقنية
كما يفرض المرسوم قياس تركيز الرصاص في الهواء داخل أماكن العمل من طرف هيئات معتمدة، مع إحالة النتائج إلى طبيب العمل وتسجيلها في سجل الصحة والأمن وطب العمل، إضافة إلى إعادة القياس عند وقوع حوادث أو تغييرات في المنشآت أو طرق العمل.
ويُلزم المؤسسات باعتماد أنظمة تهوية فعالة لاستخراج الغازات والأبخرة السامة، مع تزويد العمال بوسائل حماية فردية مثل الأقنعة الواقية والملابس الخاصة، إضافة إلى توفير تجهيزات نظافة ومياه كافية داخل أماكن العمل.
شروط صارمة للنظافة وإدارة النفايات
شدد المرسوم على النظافة اليومية داخل الورشات باستعمال طرق تنظيف رطبة لتفادي انتشار الغبار الملوث، مع تغطية الأسطح بمواد غير منفذة، وتنظيم صارم لتسيير النفايات المحتوية على الرصاص من تخزين ونقل ومعالجة.
ويمنع تناول الطعام أو المشروبات داخل أماكن العمل، مع إلزام المؤسسات بغسل الملابس المهنية بانتظام ومنع إخراجها خارج مواقع العمل، إلى جانب توفير تجهيزات وقاية فردية متكاملة من قفازات وأحذية وملابس واقية.
بعد إنساني وتكوين مهني مستمر
لم يغفل المرسوم البعد الإنساني، حيث ألزم بتنظيم دورات تكوينية دورية لفائدة العمال لتعريفهم بمخاطر الرصاص وطرق الوقاية، مع اهتمام خاص بحماية النساء العاملات من الأخطار التي قد تمس الجنين أو الرضيع أو الطفل نتيجة التعرض المهني.
كما يفرض متابعة طبية حتى بعد مغادرة المنصب، مع إعداد تقارير سنوية حول عدد العمال المعرضين ومستوى التعرض والنتائج الصحية والبيولوجية، تُرسل إلى المستخدم وإلى المدير المكلف بالصحة على مستوى الولاية.
مشروع منجمي استراتيجي ضخم
يأتي هذا الإطار التنظيمي بالتزامن مع مشروع منجم تالة حمزة وادي أميزور، الذي يعد من أكبر المشاريع المنجمية الاستراتيجية عالمياً، باحتياطيات تُقدّر بـ53 مليون طن منها 34 مليون طن قابلة للاستغلال.
ومن المرتقب أن ينتج المنجم نحو 170 ألف طن من الزنك و30 ألف طن من الرصاص سنوياً ابتداءً من 2026-2027، مع اعتماد تقنيات حديثة تراعي المعايير البيئية، بما يساهم في تنويع الصادرات وتعزيز السيادة الصناعية وخلق آلاف فرص العمل.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين