كشف تحقيق “ملفات إسرائيل” (Israeli Files) الذي أجرته ميديا بارت (Mediapart) الفرنسية، بالتعاون مع 8 وسائل إعلام أوروبية عن دور جهاز أنشأته الحكومة الإسرائيلية خصيصاً لخدمة حربها القانونية أمام المحاكم الأوروبية والدول، فيما يعرف بفضيحة تخريب للعدالة الدولية.
كشفت ميديا بارت ولو سوار، أول أمس 12 ديسمبر، ما تُفضّل الدول عادةً إخفاءه: آليات عمل استراتيجية نفوذ لا تعتمد أساسًا على الخطاب، بل على القانون. ويستند تحقيق “ملفات إسرائيل” إلى تسريبٍ وُصف بأنه ضخم: أكثر من مليوني رسالة بريد إلكتروني داخلية من وزارة العدل الإسرائيلية، مُتبادلة بين عامي 2009 وربيع 2023.
هذه التفاصيل ليست بالهينة. فكمية هائلة من الوثائق تمتد على مدى خمسة عشر عامًا ليست حادثةً معزولة؛ بل تُمثّل بنيةً ومنهجًا وممارسةً روتينية.
وكشف هذا التحقيق الذي يُعرف باسم “فضيحة التخريب للعدالة الدولية”، عن وجود قسم للمهمات الخاصة، على مستوى وزارة العدل الإسرائيلية، منذ عام 2010. مهمته الحقيقية ليست قانونية بل سياسية، وهي إعاقة أي جهود في المحاكم الدولية للمتابعة القضائية لمسؤولين إسرائيليين .
نشر هذه الملفات كان ثمرة تنسيق ثمانية وسيلة إعلامية أوربية إلى جانب الجريدة الرقمية الفرنسية ميديابارت (Médiapart) ،وهم منضمون في إطار الشبكة الأوربية للتحقيقات (European Investigative Collaborations) مثل دير شبيغل (ألمانيا)، والغارديان (المملكة المتحدة)، وإل باييس (إسبانيا)، وإنترنازيونالي (إيطاليا)، ودينيك إن (جمهورية التشيك)، ومشروع الصحافة الاستقصائية في إيطاليا (IRPI).
و حسب جريدة لوسوار (Le Soir) البلجيكية، تكشف الوثائق عن استراتيجية مُنظَّمة تهدف إلى:
- رفض الدعاوى الجنائية في أوروبا.
- منع أو استباق أوامر الاعتقال.
- ممارسة ضغوط على السلطات القضائية الأجنبية.
- تأخير الإجراءات في المحكمة الجنائية الدولية.
- حماية الأفراد العسكريين والشخصيات السياسية والشركات المرتبطة بأجهزة الدولة.
بعد الإفصاح عن هذه القضية، التي ستكون فضيحة مدوية، نبدأ بفهم كل المناورات التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بالضغط على محكمة الجنايات الدولية وقضاتها، من حرمانهم من الخدمات البنكية، منعهم من دخول الولايات المتحدة الأمريكية، وطالت هذه المضايقات مقررين هيئة الأمم المتحدة مثل فرانشيسكا ألبانيز، مقررة هيئة الأمم المتحدة للأراضي المحتلة الفلسطينية.
أما الحقيقة الأخطر، لأنها تمسّ جوهر العقد الديمقراطي الأوروبي، فهي أن التحقيق يصف إدارةً أنشأتها الحكومة الإسرائيلية خصيصًا لشنّ ما يُسمّيه القائمون عليها “حربًا قانونية” أمام المحاكم الأوروبية والدولية. هذا ليس مجرد دفاعٍ عن النفس في المحكمة، كما تفعل أي دولة، بل يتعلق الأمر بتنظيم استراتيجية طويلة الأمد: استباق الإجراءات، وتحييدها، وعرقلتها، وتعطيلها، وقبل كل شيء، جعل الساحة القانونية أقل سهولة في الوصول إليها بالنسبة لمن يسعون إلى دعم القانون الدولي.
ثانيا، لا يقتصر الأمر على التأثير السياسي فحسب، بل هو تأثير يستهدف النظام القضائي نفسه. فبمجرد أن تبدأ دولة أجنبية بالتأثير على كيفية قيام المحاكم الأوروبية بالتحقيق، أو تصنيف الوقائع، أو الملاحقة القضائية، فإن الأمر لم يعد مسألة دبلوماسية، بل أصبح مسألة تقويض استقلال المؤسسات بشكل فعلي. ويصف المنشور بدقة هذه الجبهة المتمثلة في “المحاكم الأجنبية” باعتبارها بُعدًا محوريًا في الاستراتيجية.
قضية خطيرة أخرى تتعلق بالنفوذ المالي والإجرائي: استخدام مكاتب المحاماة المحلية والمبالغ المخصصة لهذه الحرب القانونية، مع وجود أمثلة موثقة في فرنسا، التي تُعتبر إحدى ساحات المعركة الرئيسية. والمبالغ المذكورة في المنشورات المتاحة للجميع ليست مجرد حكايات؛ تشير هذه المؤشرات إلى القدرة على تفويض العمل، و”تطبيعه”، وتوجيهه عبر جهات فاعلة خاصة تُضفي على العملية مظهرًا تقليديًا، رغم أنها جزء لا يتجزأ من استراتيجية الدولة.
أما القضية الرابعة الخطيرة، والأوسع نطاقًا، فهي حجم التأثير. تشير التحقيقات إلى إنفاق عالمي “بعشرات الملايين من اليورو” على هذه الاستراتيجية. وعند النظر إلى هذا الرقم في ضوء الإطار الزمني – من 2009 إلى 2023 – يتضح أن هذا ليس رد فعل دفاعيًا مؤقتًا، بل سياسة احتواء دائم: احتواء الشكاوى، واحتواء المنظمات غير الحكومية، واحتواء الولاية القضائية العالمية، واحتواء إمكانية تفعيل القانون الدولي.
في هذه المرحلة، الأهم هو تجنب خوض المعركة الخاطئة. غالبًا ما يتعثر النقاش العام في نزاعات أخلاقية آنية. هنا، يكمن جوهر المسألة في الجانب المؤسسي: إذا استطاعت دولة ما تنظيم حرب قانونية خارج حدودها، وتعبئة وكلاء من القطاع الخاص، وتخصيص ميزانيات ضخمة، وتحويل القضاء الأجنبي إلى ساحة عمليات، فإن أوروبا ستجد نفسها عرضة لنوع من التدخل لا مثيل له. الأمر لا يتعلق فقط بالتأثير على الرأي العام؛ بل يتعلق بتحييد القانون كقيد.
يمكن فهم خبايا هذه الفضيحة، عندما نرى جماعات ضغط صهيونية تؤثر في الرأي العام الأوربي و الأمريكي، وتساهم في صياغة القرار الأوربي والأمريكي يما يخدم طموحات الإدارة الإسرائلية.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين