تعيش مالي، تطورات خطيرة، على مدار يومين، بعد شن جبهة تحرير أزواد، بالتنسيق مع ما يُسمى بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين الإرهابية، عمليات عسكرية واسعة، انتهت بالسيطرة على إقليم كيدال، وانسحاب قوات “الفيلق الإفريقي” الروسي.

وتُعتبر هذه العمليات، امتدادا لحالة اللاأمن التي تعيشها الجارة الجنوبية في السنوات الأخيرة، حيث شهدت العاصمة المالية، أواخر سنة 2025، حصارا استراتيجيا كبّد الشعب المالي خسائر اقتصادية واجتماعية كبيرة.

كما تُتوج هذه العمليات، سنوات من تكون جيوش إرهابية على الأراضي المالية وبسط سيطرتها على بعض المدن في مالي، أمام عجز السلطة الانقلابية بقيادة أسيمي غويتا على مكافحتها.

انهيار اتفاق الجزائر: بداية النهاية

أعلنت السلطة الانقلابية في يناير 2024، إنهاء العمل باتفاق السلم والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر الموقع سنة 2015.

وبرّرت إدارة أسيمي غويتا، قرارها، آنذاك بالانتقال إلى حوار مالي – مالي دون تدخل خارجي، كما وجهت في السياق اتهامات غير مؤسسة ضد الجزائر.

وحذّرت الجزائر من جهتها، من خطورة هذا القرار بالنسبة لمالي أولا وللمنطقة برمتها.

وأعلمت السلطات الجزائرية، في بيان أصدرته بتاريخ 26 يناير 2024، أي ردا على فض اتفاق السلام، الشعب المالي، أن تخلي باماكو عن الخيار السياسي لصالح الخيار العسكري لن يُشكل سوى تهديد لوحدة وسلام الأراضي المالية، مؤكدة أنه يحمل في طياته بذور حرب أهلية ويؤخر المصالحة الوطنية بدلا من تقريبها ويشكل في نهاية المطاف مصدر تهديد حقيقي للسلام والاستقرار الإقليميين.

من جهته، أعرب الاتحاد الأوروبي عن أسفه لإنهاء العمل باتفاق الجزائر مشددا على ضرورة إعطاء الأولوية للحوار الشامل الذي تدافع عنه الجزائر، باعتبارها الراعي للوساطة الدولية لحل الخلافات وتعزيز إقامة سلام دائم في شمال مالي.

وحذرت بروكسل، حينها، من تبعات وقف العمل بـ”اتفاق الجزائر”، مشيرة إلى التأثير السلبي الذي يمكن أن يخلّفه القرار على كافة التوازنات الوطنية والإقليمية في المنطقة، في ظل غياب بديل لهذا الاتفاق.

أخطاء استراتيجية تُفقد باماكو السيطرة

لم تكتفِ السلطة الانقلابية في باماكو بإلغاء اتفاق الجزائر، بل ارتكبت أخطاءً استراتيجية قاتلة سرّعت تآكل شرعيتها وعمّقت الفوضى وعدم الاستقرار في البلاد.

واختارت إدارة غويتا، الاستقواء على المدنيين باستدعاء مرتزقة “فاغنر” الروسية التي تحولت لاحقا إلى “الفيلق الإفريقي”.

وكشفت تحقيقات دولية، أن وحدة الفيلق الإفريقي الروسي ارتكبت انتهاكات جسيمة في مالي، تشمل الاغتصاب وقطع الرؤوس، أثناء عملياتها المشتركة مع الجيش المالي ضد الجماعات المسلحة.

وأحكمت السلطة الانقلابية، قبضتها على الحياة السياسية في البلاد، حيث وجهت أحكاما بالسجن في حق معارضيها لا سيما مسؤولين سابقين.

كما أقصت إدارة أسيمي غويتا، فاعلين سياسيين أساسيين وممثلين عن المجتمع المدني وحركات سياسية وعسكرية من أزواد وقّعوا سابقا على اتفاق السلام والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر، من الميثاق الوطني للسلم والمصالحة (الإطار البديل لاتفاق الجزائر).

وثبّت الإنقلابيون، حكم أسيمي غويتا بتعيينه رئيسا للبلاد، دون تصويت الشعب المالي.