أثار قرار وزارة التّعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر القاضي بإدراج مقياس (تاريخ الجزائر والوطنية والمواطنة) ابتداء من الموسم الجامعي القادم، نقاشا واسعا داخل الأوساط الأكاديمية والثّقافية والإعلامية، وبين من رأى فيه خطوة استراتيجية لإعادة بناء الوعي الوطني لدى الأجيال الجديدة، ومن تخوّف من تحوّله إلى مادّة شكلية أو أداة للاستهلاك الإيديولوجي والسّياسي، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة رصينة تتجاوز الانفعال اللّحظي، وتناقش المسألة في أبعادها العلمية والمعرفية والوطنية والتّنموية.
فالجامعات ليست فضاءات لإنتاج الكفاءات التّقنية فحسب، بل مؤسّسات لصناعة الوعي الجماعي، وبناء الشّخصية الوطنية، وصياغة العلاقة بين الفرد والدّولة والمجتمع والتّاريخ؛ ومن ثمّ فإنّ سؤال تدريس التّاريخ الوطني والمواطنة لا يتعلّق بمقرّر دراسي إضافي، بل بمشروع ثقافي ومجتمعي متكامل.
أولا-لماذا في هذا التوقيت بالذات؟
لا يمكن قراءة القرار خارج السّياق الوطني والدّولي الرّاهن، فالجزائر مثل كثير من الدّول، تواجه تحوّلات عميقة مرتبطة بالعولمة الرّقمية، وتراجع المرجعيات التّقليدية، وتنامي التّأثير الثّقافي العابر للحدود عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ وفي ظل هذا التحول، أصبح الشّباب يعيش داخل فضاء عالمي مفتوح، تتزاحم فيه السّرديات والهوّيات والانتماءات.
كما أنّ السنوات الأخيرة كشفت عن فجوات واضحة في معرفة جزء معتبر من الشّباب بتاريخ بلده، ورموزه الوطنية، ومسارات بناء الدّولة الجزائرية الحديثة، وهو ما انعكس أحيانا في انتشار خطابات سطحية أو متطرّفة أو عدمية، سواء في المجال السّياسي أو الثّقافي أو الاجتماعي.
من جهة أخرى، يبدو القرار أيضا استجابة لحاجة الدّولة إلى إعادة ترميم العلاقة الرّمزية بين الجامعة والمجتمع، بعد سنوات هيمنت فيها المقاربة التّقنية البحتة للتّعليم العالي، بحيث أصبحت بعض التخصّصات تنتج كفاءات مهنية عالية لكنّها تفتقر أحيانا إلى العمق الثّقافي والوعي المدني.
غير أنّ توقيت القرار يفرض بدوره أسئلة مشروعة: هل جاء نتيجة دراسة أكاديمية معمّقة؟ هل سبقه تشاور واسع مع الجامعات والباحثين في التّاريخ وعلوم الاجتماع والتّربية؟ وهل تملك المؤسّسات الجامعية المناهج والكفاءات القادرة على تحويله إلى مشروع معرفي حقيقي، لا مجرّد مادة تلقينية جديدة؟
ثانيا-هل تستحق الخطوة هذا الاهتمام؟
من حيث المبدأ، تبدو الخطوة مشروعة بل وضرورية، فلا توجد دولة حديثة تبني جامعاتها بمعزل عن سرديّتها الوطنية وقيمها المؤسّسة؛ فالتّاريخ ليس مجرّد ذاكرة للماضي، بل عنصر من عناصر الأمن الثّقافي والرّمزي للدّول.
إنّ تدريس تاريخ الجزائر داخل الجامعة يمكن أن يحقّق عدّة وظائف مركزيّة:
- تعزيز الوعي بتاريخ الدّولة الوطنية ومسار تشكّلها السّياسي والحضاري.
- حماية الذّاكرة الجماعية من التّشويه أو الاختزال أو الاستلاب.
- ترسيخ قيم المواطنة والحقوق والواجبات والانتماء المدني.
- تقوية الرّابط بين المعرفة الأكاديمية والواقع الوطني.
- بناء شخصية جامعية متوازنة تجمع بين الكفاءة المهنية والوعي المجتمعي.
لكن قيمة الخطوة لا تُقاس بعنوان المقياس، بل بطريقة تقديمه؛ فالمواد المرتبطة بالهوية والوطنية تتحوّل إلى عبء ثقيل عندما تُختزل في خطاب دعائي أو تلقين مباشر، بينما تصبح مصدرا للإلهام الفكري عندما تُدرّس بروح نقدية علمية مفتوحة.
ثالثا-بين التثمين والمتاجرة الرمزية
الخطر الحقيقي لا يكمن في تدريس التاريخ الوطني، بل في (المتاجرة الرمزية) به؛ إذ كثيرا ما تحوّلت بعض الخطابات المتعلّقة بالوطنية في العالم العربي إلى شعارات عاطفية معزولة عن الواقع الاجتماعي والسّياسي والتنموي.
فالطّالب الجامعي اليوم لا يقتنع بالخطاب الإنشائي وحده، بل يبحث عن المعنى، وعن الصّلة بين التّاريخ وحياته اليومية ومستقبله المهني ودوره داخل المجتمع، لذلك فإنّ أيّ محاولة لتحويل المقياس إلى أداة للتقديس غير النّقدي أو للتوظيف السّياسي الضيق ستفقده قيمته العلمية سريعا.
الوطنية الحديثة لا تُبنى على التلقين، بل على الفهم النّقدي للتّاريخ، بما فيه من إنجازات وإخفاقات، وعلى تعزيز علاقة المواطن بالدّولة عبر الحقوق والمؤسّسات والقانون والعدالة الاجتماعية.
رابعا-هل توجد تجارب مشابهة في العالم؟
نعم، وبكثافة فمعظم الدّول الكبرى تولي أهمية مركزية لتدريس التّاريخ الوطني والمواطنة داخل المنظومة التعليمية، بما فيها الجامعات.
في فرنسا مثلا، يشكّل التّاريخ الجمهوري وقيم المواطنة والعلمانية جزءا من البناء التربوي والثّقافي للدّولة، وفي الولايات المتحدة تُدرّس مقرّرات مرتبطة بالتّاريخ الأمريكي والدّستور والقيم المدنية في كثير من الجامعات، أمّا اليابان وكوريا الجنوبية والصّين فتولي أهمية خاصّة للتربية الوطنية والذّاكرة الجماعية ضمن مشروعها التنموي والثقافي.
وفي ألمانيا، بعد الحرب العالمية الثانية، جرى توظيف تدريس التاريخ والوعي المدني لبناء ثقافة ديمقراطية جديدة تمنع تكرار التّجربة النّازية، بينما تعتمد سنغافورة مقرّرات الهوية الوطنية والتماسك المجتمعي باعتبارها جزءا من استراتيجية بناء الدّولة متعدّدة الأعراق.
لكن الفارق الجوهري أنّ هذه التجارب غالبا ما تُبنى على البحث العلمي، والتّفكير النّقدي، وربط التّاريخ بأسئلة الحاضر والمستقبل، وليس فقط بتمجيد الماضي.
خامسا-القيمة المضافة علميا ومعرفيا
إذا أُحسن تصميم المقياس، فإنّه يمكن أن يشكّل إضافة معرفية حقيقية، لا سيما في التخصّصات العلمية والتقنية التي تعاني أحيانا من ضعف التكوين الإنساني والثّقافي.
فالجامعة الحديثة تقوم على فكرة (التكوين الشّامل)، أي تخريج مهندس أو طبيب أو مختص في التكنولوجيا يمتلك أيضا فهما لتاريخ مجتمعه وقضاياه السّياسية والثقافية والأخلاقية.
كما يمكن للمقياس أن يفتح المجال أمام مقاربات متعدّدة التخصّصات تجمع بين التّاريخ وعلوم الاجتماع والعلوم السياسية والأنثروبولوجيا والفلسفة والدّراسات الثقافية، بما يثري الحياة الجامعية ويكسر الانغلاق التخصّصي.
ومن النّاحية المعرفية، فإنّ تدريس تاريخ الجزائر بطريقة حديثة قد يساهم في:
- إعادة قراءة التّاريخ الوطني بعيدًا عن الاختزال.
- تعزيز ثقافة البحث والتوثيق والنّقد التاريخي.
- ربط الذّاكرة الوطنية بالتحوّلات العالمية.
- إنتاج معرفة جديدة حول المجتمع الجزائري وتطوره.
سادسا-البعد المجتمعي والهوياتي
في زمن الأزمات الهوياتية العالمية، يصبح السؤال الوطني سؤالا وجوديا لا مجرّد موضوع ثقافي؛ فالهوية الوطنية ليست معطى ثابتا، بل بناء متجدّد يحتاج إلى مؤسّسات تنتجه وتحميه، وفي مقدّمتها المدرسة والجامعة.
والجزائر، بحكم تاريخها الاستعماري الطويل وتجربتها التحرّرية الخاصّة، تمتلك رصيدا تاريخيا غنيا يمكن أن يشكّل عنصر قوة ناعمة وثقة جماعية إذا تمّ التعامل معه بوعي علمي حديث.
غير أنّ الهوية الوطنية الصحية ليست هوية مغلقة أو عدائية، بل هوية واثقة من نّفسها، منفتحة على العالم، وقادرة على التفاعل مع الحداثة دون ذوبان.
لذلك فإنّ تدريس الوطنية والمواطنة ينبغي أن يعزّز قيم:
- التعدّد الثقافي واللّغوي داخل المجتمع الجزائري.
- احترام الاختلاف والحوار.
- المشاركة المدنية.
- أخلاقيات العمل والإنتاج.
- الوعي بالمصلحة العامة.
سابعا-البعد التنموي: من الذاكرة إلى الفعالية الاجتماعية
قد يبدو الربط بين التّاريخ والتنمية غير مباشر، لكنّه في الواقع عميق للغاية. فالدّول الناجحة لا تبني التنمية بالأرقام فقط، بل ببناء (الإنسان المواطن)، أي الفرد الذي يشعر بالانتماء والمسؤولية تجاه مجتمعه ومؤسّساته.
عندما يدرك الطّالب تاريخ دولته وتضحيات الأجيال السّابقة، ويتشبّع بثقافة المواطنة والعمل الجماعي، يصبح أكثر استعدادا للمشاركة الإيجابية في التّنمية، وأقلّ قابلية للانسحاب أو العدمية أو الاغتراب.
كما أنّ التنمية الحديثة تحتاج إلى رأس مال ثقافي ورمزي، لا إلى رأس مال اقتصادي فقط؛ والمجتمعات التي تفقد ذاكرتها الجماعية تصبح أكثر هشاشة أمام التفكّك والتبعية الثّقافية.
ثامنا-شروط إنجاح التجربة
نجاح القرار لن يتحقّق بالإلزام الإداري وحده، بل بتوفير شروط أكاديمية وبيداغوجية حقيقية، أهمّها:
- إعداد برامج علمية حديثة بعيدة عن التلقين والخطاب المناسباتي.
- إشراك المؤرّخين وعلماء الاجتماع وخبراء التربية في صياغة المحتوى.
- اعتماد مناهج نقدية تفاعلية قائمة على النّقاش والتحليل.
- تكوين أساتذة متخصّصين قادرين على إدارة المادة بروح أكاديمية.
- ربط المقياس بالواقع المعاصر وأسئلة المواطنة اليومية.
- توظيف الوسائط الرّقمية والوثائق والأرشيف والسينما التّاريخية.
- تجنّب تحويل المقياس إلى أداة للوصاية الفكرية أو الاستقطاب الإيديولوجي.
خلاصة:
إنّ تدريس تاريخ الجزائر والوطنية والمواطنة في الجامعة يمكن أن يكون مكسبا وطنيا ومعرفيا مهمًّا إذا جرى التعامل معه بوصفه مشروعا لبناء الوعي النّقدي والانتماء المسؤول، لا مجرّد مادة إضافية أو خطاب تعبوي.
فالأمم لا تعيش بالاقتصاد وحده، بل بالذّاكرة والمعنى والقدرة على تحويل التّاريخ إلى طاقة للمستقبل؛ غير أنّ الوطنية الحقيقية لا تُفرض بالشّعارات، وإنّما تُبنى بالمعرفة والعدالة والكفاءة والحرية والثّقة المتبادلة بين الدّولة والمجتمع.
وبين تمجيد الماضي والانفصال عنه، يبقى التحدّي الحقيقي هو كيف نحوّل التّاريخ من مادة للحفظ إلى قوّة للفهم، ومن ذاكرة جامدة إلى مشروع حضاري متجدّد.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين