أعلن المدير التنفيذي لمجموعة “ستيلانتيس” في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، سمير شرفان، أن مصنع “فيات” في طافراوي بوهران، أنتج أول سيارة “غراند باندا” مصنَّعة محلياً بالكامل، واصفاً الحدث بأنه “إنجاز تاريخي” في مسار صناعة السيارات السياحية في الجزائر.

وأوضح شرفان، في منشور على حسابه عبر منصة “لينكد إن”، أن “السيارة الجديدة تم إنتاجها باستخدام عمليات اللحام والطلاء التي جرى تركيبها حديثاً داخل المصنع، وهي سابقة تُسجَّل لأول مرة في تاريخ صناعة السيارات السياحية في الجزائر”.

لكنّ إعلان شرفان، الذي جاء بلغة احتفالية، يطرح تساؤلات جدّية حول طبيعة الإنتاج “المحلية الكاملة” التي تحدّث عنها، خصوصاً في ظل اعترافه الشهر الماضي بأن إنتاج سيارات “فيات” في الجزائر يتم وفق نظام CKD (Completely Knocked)، بمعدل اندماج محلي 20%، على أن ترتفع النسبة إلى أكثر من 30% بحلول 2026.

ونظام CKD هو (تجميع من أجزاء مفككة بالكامل)، أي يعتمد على استيراد المركبات مفككة بالكامل وتجميعها محلياً، وهو ما يختلف عن نظام SKD (Semi Knocked Down) الذي يعتمد على استيراد سيارات شبه مكتملة التركيب.

ورغم أن الانتقال إلى نظام CKD يُعد خطوة تقنية متقدمة مقارنة بالمراحل السابقة، فإنه لا يعني بالضرورة تصنيعاً جزائرياً كاملاً، إذ يبقى معظم المكوّنات الأساسية مستورداً، مع تركيز النشاط المحلي على عمليات التجميع والطلاء واللحام.

وكان قد كشف مدير علامة “فيات” في الجزائر، باجي راوي، أن سيارة “غراند باندا” التي تُركّب بنظام CKD ستُطرح في السوق الجزائرية مع نهاية السنة الجارية، بأسعار جدّ تنافسية.

بين الطموح الصناعي والواقع التقني

يرى خبراء الصناعة أن الحديث عن “سيارة جزائرية بالكامل” سابق لأوانه، ما دامت البلاد لم تطور بعد قاعدة صناعية متكاملة لإنتاج مكوّنات السيارات محلياً، سواء كانت محركات أو أنظمة كهربائية أو إلكترونيات داخلية.

وتُجمع التحليلات الاقتصادية على أن الوصول إلى صناعة حقيقية للسيارات في الجزائر يتطلب استراتيجية وطنية لتطوير منظومة الموردين المحليين، وتشجيع الاستثمار في صناعة القطع والمكوّنات، إلى جانب دعم البحث التطبيقي والتكوين التقني المتخصص.

وفي الوقت الحالي، يبقى مصنع “فيات” في طافراوي نموذجاً لمرحلة انتقالية في مسار بناء الصناعة الميكانيكية الجزائرية، أكثر منه إنجازاً نهائياً نحو الاكتفاء الصناعي.

مشروع طافراوي.. واقع الإنتاج وأفق الطموح

تم تدشين مصنع “فيات” في طافراوي يوم 11 ديسمبر 2023، بعد سنة من الأشغال التي انطلقت عقب توقيع اتفاقية-إطار بين وزارة الصناعة ومجموعة “ستيلانتيس” في أكتوبر 2022، ضمن خطة لإعادة بعث صناعة السيارات في الجزائر وفق دفتر شروط جديد صدر في نوفمبر من السنة نفسها.

ويهدف المشروع إلى تطوير نشاطات التصنيع وخدمات ما بعد البيع، إلى جانب إدماج تدريجي للمكوّن المحلي في سلسلة الإنتاج.

ومنذ انطلاق نشاطه نهاية 2023، تجاوز إنتاج المصنع 50 ألف مركبة، بحسب بيانات “فيات الجزائر”، مع تحقيق 17 ألف وحدة في عام 2024، وتوقعات ببلوغ 60 ألفاً في 2025 و90 ألفاً في 2026.

ورغم هذه الأرقام التصاعدية، يشير مختصون إلى أن القيمة المضافة الفعلية تبقى محدودة، ما لم تتحول الجزائر من مجرد منصة تجميع إلى مركز تصنيع حقيقي قادر على إنتاج مكوّنات السيارات وتصديرها.

في انتظار “صُنع في الجزائر” فعلياً

يشكل إعلان “فيات” عن أول سيارة غراند باندا “محلية بالكامل” محطة رمزية في مسار الصناعة الميكانيكية الجزائرية، لكنها تظل خطوة أولى في طريق طويل نحو إنتاج سيارة جزائرية بالمعنى الكامل — أي بمكوّنات وهندسة محلية — وهو تحدٍّ يرتبط بمدى قدرة الجزائر على خلق بيئة صناعية متكاملة ومستدامة.