تداولت منصات تونسية وثائق تزعم أنها نص اتفاق التعاون العسكري بين الجزائر وتونس، وتأسس على ذلك مواقف وكتابات متسرعة، لم تنتبه إلى حجم التلاعب الوارد في الوثيقة المزعومة، وبنودها التي لا ترتكز على أية قاعدة منطقية في العلاقات بين الدول والجيوش، ولا تستند إلى أي ملمس عقلاني، إلى حد التضليل الذي يمكن تلمسه بحد أدنى من الحصافة.

هل نحن أمام تسريب أم أمام فبركة؟

الفرق بين الحالتين واضح، التسريب يعني حالة أن تكون الوثيقة أو المعلومة صحيحة وسليمة، أما الفبركة فمسألة مغايرة، يكون فيها حشد مضمون غير صحيح وزائف، داخل اطار وقائع ما، بقصد وغاية التشويه أو التشويش أوالتشكيك، وفي حالة الوثيقة المزعومة، نحن بصدد فبركة، لم تكن تحتاج إلا إلى بعض التأمل والتجرد لوضعها جانبا.

يمكن البدء بآخر سطر في الوثيقة إياها، للتثبت من أنها مفبركة، عندما تشير إلى أنه يتم إيداع نص الاتفاق العسكري لدى الأمم المتحدة، يجدر التساؤل هنا عما إذا كانت الاتفاقات الثنائية ذات الصيغة الأمنية والعسكرية، بحساسية مضمونها المعروف، تودع لدى الأمم المتحدة، لقد كان هذا كافيا ليثير الانتباه إلى أن الأمر يتعلق بفبركة كبيرة ومفضوحة على نحو كبير.

بغض النظر عن الصفة الخاطئة الواردة في الوثيقة لقائد الجيش الجزائري، والاسم الخاطىء لوزير الدفاع التونسي، بما كان كافيا للتأكد من عدم جديتها، تزعم بنود الوثيقة المفبركة، أن الجيش الجزائري يمكنه التوغل في عمق التراب التونسي، لمطاردة إرهابيين أو جماعات مسلحة، لمسافة 50 كيلومتر، بما يعني الوصول إلى مناطق مثل الكاف وباجة وجندوبة، وهذا ليس بغير المعقول فقط، ولكنه لا يستصاغ حتى كمزحة سياسية، فما بالك بأن يكون محل اتفاق.

من بين الغرائب التي لا تصدق، وتكشف الزيف الواضح للوثيقة المتداولة، تضمنها أن الجيش الجزائري يمكنه المساهمة في إعادة الاستقرار المؤسسي في تونس وتحييد المجموعات الفتنوية، في حال وقوع تمرد أو اضطرابات في تونس، بما يوحي بفعل مرتزقة، والحال أن الدستور الجزائري واضح ويضبط خروج الجيش خارج البلاد حصرا ضمن إطار الهيئات الأممية والقارية والاقليمية، ناهيك عن أن الجزائر شديدة احترام للوضع السيادي لتونس ولكامل دول الجوار، لا يمكن أن تقبل القيام بذلك.

تذهب الوثيقة المفبركة إلى أبعد من ذلك، عندما ترسم وضع ارتزاق مكتمل، وتشير إلى المنح المالية التي يمكن أن يتلقاها كل جندي جزائري في تونس، وإلى أن بناء أية قواعد حياتية تخص العسكريين تدفعها الخزينة التونسية أو تقتطع كاستثمارات، إنها سبهللة ما بعدها سبهللة، لا تستقيم لا مع منطق سياسي، ولا مع معطيات العلاقات الجزائرية التونسية. وهذا كاف لطرح سؤال: هل يكفي أن يكون لديك موقف سياسي معارض لتصدق وثيقة تصرخ بصمتها بأنها مفبركة.

هل هناك طرف ثالث يتلاعب بالأمر؟

الواقع يقول نعم، قبل أسبوع قامت منصات معروفة في فرنسا، ببث خبر مضلل يزعم تشكيل الجزائر لوحدات مرتزقة تنشط في الساحل، وقد كذبت الجزائر رسميا ذلك، والإيحاء بأن الجزائر اكتسبت حق التدخل الميداني العسكري في تونس، ليس سوى حلقة تتبع ما سبق، المسألة بهذا القدر، تجعل من الجزائر خاصة في علاقتها المتميزة بالدولة التونسية، الهدف الأساس من الوثيقة المفبركة، أكثر من كونها تستهدف طرفا حاكما في تونس.

هناك وضع سياسي قلق قائم في تونس، يخص التونسيين بالتأكيد، تجتهد فيه المعارضة ودعاماتها الإعلامية لإثبات مواقفها ومشروعية مطالبها الديمقراطية، وهذا حق أصيل لها، وتسعى في الأثناء إلى نسف مقولات السلطة السياسية التونسية، غير أنه من الضرورة الحذر من الآثار الوخيمة لتوظيف القصص السياسية الكاذبة وغير سليمة التي تتجاوز المجال التونسي، على العلاقة بين شعبين يتقاسمان نفس التطلعات.. إن تأسيس مواقف على أكاذيب، هو أسوأ من الأكاذيب بحد ذاتها .