في وقت يشهد فيه مشروع أنبوب الغاز الجزائري–النيجري–النيجيري تقدما ملموسا نحو التجسيد، برزت ليبيا كلاعب جديد يعلن دخوله على خط المنافسة عبر طرح مشروع موازٍ لنقل الغاز نحو أوروبا عبر مسار بديل.

وأعلنت وزارة النفط والغاز بحكومة الوحدة الوطنية في ليبيا عقد لجنة مشروع خط الغاز نيجيريا–النيجر–ليبيا اجتماعا فنيا لمواصلة التنسيق حول مشروع أنبوب غازي يهدف لربط نيجيريا والنيجر بأوروبا عبر الأراضي الليبية.

وجرى خلال الاجتماع استعراض الدراسات الهندسية الأولية ومناقشة تطوير مذكرة التفاهم مع الجانب النيجيري، إلى جانب متابعة الجهود الرامية إلى دفع المشروع نحو مراحل أكثر تقدما.

وتأتي هذه التحركات الليبية في إطار تصور يهدف إلى تطوير مشاريع الربط الطاقي الإقليمي وتعزيز التعاون في مجال الغاز الطبيعي بين الدول المعنية ضمن رؤية للوصول إلى السوق الأوروبية.

ويقوم المقترح الليبي على مد خط أنابيب غاز ينطلق من نيجيريا مرورا بالنيجر وصولا إلى ليبيا، مع طموح استراتيجي لبلوغ الأسواق الأوروبية باعتبارها الوجهة الرئيسية للطاقة.

ليبيا تتحرك نحو منافسة مباشرة

سبق أن كشفت تقارير إعلامية في سبتمبر 2022 أن حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا تلقت مقترح دراسة لإنشاء أنبوب غاز عابر للصحراء بمسار يبدأ من نيجيريا مرورا بالنيجر ثم ليبيا نحو أوروبا بدل المسار الجزائري.

كما اقترحت وزارة النفط والغاز الليبية حينها خيارا بديلا يختلف عن الاتفاق الثلاثي بين الجزائر والنيجر ونيجيريا الذي يمر عبر الأراضي الجزائرية نحو أوروبا.

وفي السياق ذاته، انطلقت مناقشات استكشافية بين ليبيا ونيجيريا لبحث جدوى هذا المسار الجديد في إطار تصور اقتصادي وطاقة بديل.

وفي عام 2023، منحت حكومة الوحدة الوطنية الليبية إذنا رسميا لوزارة النفط والغاز لإجراء دراسات فنية واقتصادية حول مشروع خط غاز محتمل عبر النيجر أو تشاد وصولا إلى أوروبا عبر ليبيا.

ويعكس هذا التحرك الليبي محاولة لإعادة رسم خريطة عبور الطاقة في إفريقيا الغربية والصحراء الكبرى بما يخلق مسارا تنافسيا مباشرا مع المشروع الجزائري.

الجزائر تسرّع التنفيذ

تأتي التحركات الليبية في وقت تحقق فيه الجزائر تقدما واضحا في مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP) الذي يجمع الجزائر والنيجر ونيجيريا ضمن رؤية طاقوية كبرى نحو أوروبا.

ومن المرتقب أن تنطلق نهاية أفريل الجاري الدراسات التفصيلية للمسار، في خطوة انتقالية من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التدقيق الفني النهائي للمشروع.

وتوقع الأمين العام لمنظمة الدول الإفريقية المنتجة للنفط فريد غزالي دخول المشروع حيز الخدمة بداية عام 2029، مؤكدا واقعيته وقدرته على التجسيد.

وأشار غزالي إلى أن فرق تقنية تعمل ميدانيا في النيجر لاستكمال البنية التحتية الأساسية التي كانت تمثل أحد أبرز التحديات.

وفي سياق متصل، أكد مسؤول في مجمع سوناطراك أن حوالي 60 بالمائة من المشروع أنجز داخل الجزائر ونيجيريا، مع تقدم ملحوظ في المراحل التقنية والبنية التحتية.

مشروع جزائري مدعوم باتفاق ثلاثي

كانت الجزائر قد وقعت مع نيجيريا والنيجر اتفاقا رسميا لإطلاق مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء بطول يقارب 4 آلاف كيلومتر وبقدرة نقل تتجاوز 30 مليار متر مكعب سنويا نحو أوروبا.

وسيتضمن المشروع ربط الشبكة الجزائرية لنقل الغاز مع الحدود النيجرية عبر خط يمتد لنحو 1200 كيلومتر داخل الجزائر، مع استكمال جزء آخر داخل النيجر بطول يقارب 720 كيلومترا.

كما ستعتمد الجزائر على منشآتها الحالية والمستقبلية في مجال نقل المحروقات لضمان نجاح المشروع وتعزيز قدرته التصديرية.

وتسعى سوناطراك إلى توفير الإمكانيات التقنية واللوجستية الكفيلة بمنح المشروع بعدا اقتصاديا وقاريا واسعا في سوق الطاقة العالمية.

ويهدف هذا المسار إلى تعزيز موقع الجزائر كممر استراتيجي للطاقة نحو أوروبا ضمن تحول جيوطاقوي متسارع في المنطقة.

تحديات أمنية أمام مشروع ليبيا الطموح

رغم الطموح الليبي لدخول المنافسة، فإن المشروع يواجه تحديات مرتبطة بعدم الاستقرار الأمني والسياسي داخل ليبيا، ما يطرح تساؤلات حول قدرته على التنفيذ الفعلي.

كما أن وجود عوامل أمنية معقدة في بعض مناطق الشرق الليبي، إضافة إلى تداخلات جيوسياسية حساسة، قد يعيق تطوير بنية تحتية مستقرة لخط الغاز المقترح.

وفي المقابل، يستفيد المشروع الجزائري من استقرار نسبي وشبكة طاقوية قائمة تعزز فرص إنجازه في الآجال المحددة.

وبينما يتجه مشروع الجزائر نحو مراحل متقدمة من التنفيذ، لا يزال المشروع الليبي في طور الدراسات والتصورات الأولية دون أرضية ميدانية مكتملة.

ويعكس هذا الواقع سباقا طاقويا إفريقيا متسارعا نحو أوروبا، تتداخل فيه الحسابات الاقتصادية بالاعتبارات الجيوسياسية والطموحات الإقليمية.