تتجه الأنظار داخل المشهد التشريعي إلى مجلس الأمة، ، عبر استعمال صلاحياته الدستورية في التحفظ باعتباره الجهة القادرة على امتصاص الجدل المتصاعد حول مشروع قانون المرور، بعد أن تحوّلت بعض مواده إلى بؤرة توتر اجتماعي.

ويُنظر إلى هذا التحفظ كفرصة لتمكين الحكومة والبرلمان من تدارك الثغرات التقنية وتصحيح المواد الخلافية التي فجّرت احتجاجات واسعة وسط الناقلين، خاصة سائقي الشاحنات والحافلات.

وفي مثل هذه الحالات، يبرز خيار اللجوء إلى آلية دستورية تسمح بمراجعة الأحكام محل الخلاف دون إسقاط المشروع برمّته أو إدخاله في مسار التجميد التشريعي.

متى تفعل ألية “اللجنة متساوية الأعضاء”؟

ويستند مجلس الأمة في هذا المسار إلى المادة 145 من الدستور الجزائري، التي تنظّم عمل غرفتي البرلمان والعلاقة الوظيفية بينهما وبين الحكومة.

وتُعدّ آلية “اللجنة متساوية الأعضاء” مخرجًا قانونيًا لتجاوز حالة الانسداد، في حال تسجيل خلاف بين الغرفتين حول نص تشريعي.

ووفق هذه المادة، يُبلَّغ رئيس إحدى الغرفتين الحكومة فور حدوث الخلاف، لتبادر هذه الأخيرة بطلب تشكيل لجنة مشتركة تضم عشرة أعضاء عن كل غرفة خلال أجل أقصاه خمسة عشر يومًا.

وتُكلّف اللجنة باقتراح نص جديد يخص الأحكام محل الخلاف، مع عقد اجتماعاتها بالتناوب بين مقري الغرفتين، وتحت رئاسة الغرفة المستضيفة.

ويُنتخب مقرران عن كل غرفة لضمان توازن الصياغة القانونية، بما يعكس طابع الشراكة التشريعية في معالجة الخلاف.

وتتمتع اللجنة بصلاحية دراسة المواد المتنازع حولها بعمق، مع إمكانية الاستماع لأعضاء الحكومة أو لأي برلماني ترى فائدة في سماعه.

وينتهي هذا المسار بإعداد تقرير يتضمن النص المقترح، يُعرض على الغرفتين للمصادقة النهائية دون إمكانية إدخال تعديلات جديدة إلا بموافقة الحكومة.

وتقوم هذه الآلية، في حال اعتمادها، على إعادة فتح النقاش حول المواد الخلافية، مع الحفاظ على جوهر القانون وأهدافه المعلنة.

وفي حالة استمرار الخلاف بين الغرفتين، يمكن الحكومة أن تطلب من المجلس الشعبي الوطني الفصل نهائيا.

وفي هذه الحالة، يأخذ المجلس الشعبي الوطني بالنص الذي أعدته اللجنة المتساوية الأعضاء أو، إذا تعذر ذلك، بالنص الأخير الذي صوّت عليه.

ولا يعني هذا التوجه التراجع عن قانون المرور، بل تعديل بعض مواده التقنية والعقابية التي أثارت مخاوف مهنية وقلقًا واسعًا.

وَفي هذا السياق، أفادت جريدة ” الخبر” أن ملامح هذا المسار ستتضح الثلاثاء المقبل  خلال اجتماع لجنة التجهيز بمجلس الأمة، بحضور ممثلي الحكومة، لمناقشة التحفظات المرفوعة.

ويأتي هذا الاجتماع تمهيدًا لبعث اللجنة متساوية الأعضاء فور انتهاء الجلسة العامة المقررة للتصويت يوم 21 جانفي.

ويعكس هذا التوجه مرونة في تعاطي الجهاز التنفيذي مع الوضع، عبر استرجاع المبادرة والتفاعل مع المطالب المهنية قبل اتساع رقعة الاحتجاج.

فهل ينجح المسار البرلماني في تفكيك الأزمة عبر معالجة دستورية، أم يتجه مشروع قانون المرور إلى مزيد من التصعيد في حال تعثّر آخر مخارج التوافق؟.