أثناء الدخول إلى هذا المكان من النادر أن يسألك أحد من أين أنت؟ وإلى أين أنت ذاهب؟… في “محطة الخروبة” بالجزائر العاصمة كل ما عليك فعله هو التوجه إلى شباك التذاكر، لاختيار وجهتك حسب ما تبينه البيانات الإلكترونية في الشاشات، ثم دفع ثمن الرحلة وبعدها الانسحاب بهدوء.

إنها تجربة سفر داخل واحدة من أكثر محطات التنقل ازدحاما بالجزائر، وأكبرها من حيث الوجهات طويلة المسافات.

لكن خلف هذا النظام تختبئ مشاعر متناقضة في الواقع هو شعور يحمل مشاعر متناقضة، تجمع بين الحرية والعزلة والغربة في آن واحد، هنا لا يمكن للإنسان أن يتقمص “دور السائح”، يدخل المحلات ويسأل عن الأسعار بفضول، ويتأمل السلع دون حرج، يجلس في المقاهي المنتشرة ويحتسي القهوة ببطء ويراقب الوجوه العابرة وكأنه يكتشف مدينة جديد وسط زحمة الحافلات والمسافرين.

مشاهد خلف محطة الخروبة

يرى بعض الزوار أن هذه المحطة تمثل “وطنا مؤقتا”، كما يصفها الأستاذ الجامعي كريم . س (34 سنة)، الذي يعيش بين الجزائر العاصمة وولاية المدية.

يقول إنه بسبب طبيعة عمله، بالنسبة له أصبحت محطة الخروبة للنقل نقطة عبور أساسية بين بيت العائلة ومسار حياته المهني، حيث لا استقرار نهائي بل تنقل دائم بين المدن.

يضيف المتحدث أن المحطة تحولت مع الوقت إلى جزء من ذاكرته الشخصية، فقد أمضى فيها ليالي كاملة بانتظار السفر نحو الجامعة، ما جعلها بالنسبة له فضاء على هامش النظام الاجتماعي، لكنه حاضر بقوة في تفاصيل حياته المرتبطة بالتنقل بين المدن الجزائرية.

راحلون… عابرون

في قلب هذه المحطة الكبرى يتشكل مجتمع مصغر عن ذلك المجتمع الكبير في الخارج، فالحركة لا تتوقف والحقائب تتغير باستمرار، وحافلات السفر تتجه نحو مدن مختلفة دون انقطاع كل شيء هنا سريع وعابر، وكأن المكان مصمم خصيصا للانتقال لا للاستقرار.

يمكن لأي شخص أن يجلس لساعات طويلة دون أن يلفت الانتباه في هذا المكان، “فثقافة العبور في المحطة تجعل العلاقات سطحية ومؤقتة، واللقاءات تنتهي بمجرد صعود الحافلة، والأحاديث غالبا ما تكون وسيلة لقتل الوقت أثناء الانتظار الطويل.

“تنحي الوحش”.. تخفف الغربة

تقول السيدة سعيدة (56 سنة) “في مثل هذه الأماكن تستهلك الدقائق ببطء، لأن الناس يعيشون بين الانتظار والفراغ”، موضحة أن محطة المسافرين تبقى مكانا لا يمكن البقاء فيه إلى الأبد، مهما طال الزمن.

الواضح أنه لا فرق بين من يحملون حقيبة وتذكرة سفر وبين من لا مأوى لهم، فالمحطة تتحول بالنسبة للبعض إلى مكان آمن نسبيا، يوفر سقفا وأحيانا الطعام وأناس يشعر الزائر أثناء وجودهم بالألفة، بفضل الحركة المستمرة للمسافرين أي كما يقال بالدارجة: “ينحي الوحش”، أي يبدد الوحشة من المكان.

مدينة صغيرة لا تنام

تقع محطة الخروبة للنقل البري وسط الجزائر العاصمة، والتي تُعرف باسم “محطة كبار معطوبي جبهة التحرير الوطني”، إذ هي اليوم مركز رئيسي لحركة الحافلات وسيارات الأجرة، لكنها في الواقع تمثل عالما موازيا يعيش على هامش المدينة.

اكتسبت “الخروبة” بموقعها الجغرافي روح المدينة، وتحولت إلى مساحة للعيش أيضا، ففهي يلتقي العمال والعاطلون والحالمون والهاربون من ظروفهم، ومن هامش المدن، ليجدوا في المحطة مساحة مؤقتة للحياة.

ومع حلول الليل، تتحول المقاعد إلى أماكن للنوم، وتصبح المقاهي ملاذا مؤقتا لمن لا يملكون وجهة أخرى في عاصمة البلاد.

تكَيّف البعض مع وضعهم المؤقت الذي طال، كما تشير الباحثة في سلك الدكتوراه بكلية الحقوق خولة مديني (28 عاما)، إلى أن “المحطة تُلغي الفوارق الاجتماعية، حيث تختلط الطبقات في فضاء واحد”.

وتضيف أنها كونت صداقات عديدة داخل المحطة، التي تعتبرها نقطة تلاقي وفراق في آن واحد ضمن شبكة التنقل خصوصا بالنسبة للطلبة الجامعيين.

الحياة في محطة عبور

منذ الفجر، وبعد الهدوء الذي يفصل بين الحركة والعتمة، تستقبل الخروبة” موجات من المسافرين القادمين من مختلف ولايات الجزائر، تغادر الحافلات باكرا، وتصل أخرى ليلا، بينما يختار البعض السفر ليلا لتوفير الوقت والنوم أثناء الرحلة، في دورة مستمرة من السفر والتنقل اليومي.

ومع بزوغ الشمس، تعود الحركة بقوة، المقاهي تفتح والمحلات تستقبل الزبائن، والمسافرين يجرون حقائبهم بين الأرصفة.

أما ليلا، فتخفت الحركة لكنها لا تنطفئ لأن المحطة تبقى نقطة عبور دائمة.

من خلال نظرة الكثيرين، فإن المحطات عادة ما تكون أماكن مرور فقط، إلا أن بعض الزوايا في “الخروبة” تحولت إلى أماكن إقامة مؤقتة لأشخاص فقدوا الاستقرار، سواء بسبب البطالة أو ظروف اجتماعية صعبة.

بلا عنوان… بين المحطات

قبل سنوات، جاء نبيل (14 عاما) إلى المحطة، واليوم أصبح شابا يبيع المياه المعدنية للمسافرين، يتنقل بين المقاعد داخل مساحة الانتظار، وبين الحافلات قبل إقلاعها، وأحيانا يصاب بالخيبة لأنه من الممنوع تجاوز بعض حدود الدخول والخروج بين خطوط الحافلات التي تقل المسافرين قبل توقيت الإقلاع.

يقول إنه نشأ بين المحطات، ولم يعرف للاستقرار معنى ولم يكتشف بعد “نعمة البيت”، فالمحطة هي عالمه الوحيد.

ورغم قسوة بعض الظروف التي تحيط بالمحطة، إلا أن المحطة أفضل من الشارع، لأنها توفر أدنى حد من الأمان، وقصته معها مرآة لفئة تعيش داخل فضاء التنقل المستمر دون استقرار اجتماعي.

شاب آخر متخرج من الجامعة، لم يجد عملا رغم سنوات البحث عن وظيفة، فاضطر للعمل كنادل في مطعم داخل المحطة، والنوم فيه ليلا، بالنسبة له أصبحت هذه المحطة الحل الوسط بين البطالة والحياة إلى حين الفرج بمشروع أو وظيفة.

العيش على الهامش

في زاوية قريبة من شبابيك التذاكر، يعيش “عادل (اسم مستعار)” حياة بسيطة، عمله اليومي هو تنظيف الحافلات وحمل الأمتعة، كما أنه يقبل أي عمل مقابل لقمة العيش.

يرى أن حياته تُختصر في يومه فقط، دون خطط طويلة المدى، داخل فضاء الحياة اليومية في المحطة.

أما الماضي فهو ورقة طويت بالنسبة له، إذ يرفض الحديث عنه مكتفيا بالإشارة إلى أنه ضحية ظروف عائلية صعبة، ليختار حياة حرة لكنها غير مستقرة داخل محطة النقل.

محطة المنسيين

يبدو الأمر بالنسبة لعادل والآخرين عاديا، وتقبل الواقع ومسايرة الحياة في تقلباتها، إلا أن المناسبات مثل شهر رمضان والأعياد، تحرك الكثير من المشاعر التي غلفتها الظروف، إذ تصبح محطة الخروبة قاسية المنظر على من يعيشون فيها، فبينما يغادر الناس نحو دفء العائلات، تبقى وجوه أخرى عالقة في المكان، تعيش صمت الانتظار ومرارة الغياب.