فتح التعديل الحكومي الأخير الذي أعلنه الرئيس عبد المجيد تبون الباب أمام نقاش واسع، بعد استحداث منصب “وزير والٍ” وتعيين محمد عبد النور رابحي على رأس ولاية الجزائر بصلاحيات مزدوجة تجمع بين مهام الوالي ومكانة الوزير.

خطوة أثارت تساؤلات حول مدلولها الدستوري والسياسي، وانعكاساتها المحتملة على طبيعة العلاقة بين الحكومة وولاية الجزائر مقارنة ببقية ولايات الوطن.

وأجرى الرئيس عبد المجيد تبون، أمس الأحد، تعديلاً حكومياً جديداً، حمل في طياته تغييرات بارزة داخل الطاقم الحكومي.

ومن أبرز المستجدات، تعيين محمد عبد النور رابحي وزيراً والياً للعاصمة، بعد أن كان يشغل منصب والي الجزائر، في خطوة اعتُبرت سابقة في تسيير شؤون العاصمة التي لطالما حظيت بخصوصية في المنظومة الإدارية.

“نحو استحداث أقاليم جديدة”

هذا التعيين أعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً حول طبيعة المنصب الجديد، وحدود تأثيره على تسيير العاصمة، وما إذا كان سيشكل تحولاً في علاقة الحكومة بولاية الجزائر، أو بداية لتجربة قد تشمل لاحقاً ولايات كبرى أخرى.

ولفهم أعمق لهذه الخطوة، تواصلت “أوراس” مع أساتذة وخبراء في القانون الدستوري والسياسة.

الخطوة أعادت إلى الأذهان تجربة 1997 مع استحداث “محافظة الجزائر الكبرى” برئاسة الوزير الشريف رحماني، والتي ألغيت عام 2000 لمخالفتها أحكام الدستور.

غير أن تعيين وزير والٍ اليوم يعكس محاولة جديدة لإيجاد صيغة خاصة للعاصمة باعتبارها واجهة البلاد ومركز القرار السياسي والاقتصادي.

يرى أستاذ القانون الدستوري موسى بودهان أن المنصب يمنح ثقلاً إضافياً للعاصمة بحكم أن الوالي أصبح عضواً في الحكومة، وهو ما يفتح الباب أمام صياغة قوانين جديدة تسمح بإنشاء أقاليم خاصة، تماشياً مع التزامات الرئيس تبون.

كما لفت إلى أن الخطوة ستخلق نوعاً من التنافس بين ولاة الجمهورية، يشكل بدوره حافزاً للترقية في المناصب الإدارية، مؤكداً أن العاصمة قد تكون مقبلة على نظام إداري خاص ومتميز يعكس مكانتها الاستثنائية.

وأضاف أن الدستور الجزائري يتيح تمييز البلديات والولايات وفق خصوصياتها، ما قد يقود مستقبلاً إلى صياغة قوانين جديدة أو آليات تسمح بإنشاء أقاليم خاصة وفق التزامات الرئيس تبون خلال حملته الانتخابية.

ما الجديد في هذا التعيين؟

ومن جانبه، أكد المحلل السياسي عبد الحق بن سعدي لـ”أوراس” أن المنصب الجديد يعكس تقديراً للجهود المبذولة في تسيير ولاية استثنائية بحجم الجزائر العاصمة.

وأوضح أن “الوزير الوالي” يتمتع بمكانة الوزير ويمارس صلاحيات الوالي في الوقت نفسه، ما يضعه في موقع قوة داخل الحكومة ويبعده عن الضغوط البيروقراطية التي قد تحد من مهامه.

وأضاف أن التجربة ليست جديدة على الجزائر، فقد تم اعتمادها في عهد الرئيس زروال تحت مسمى “وزير مهمة غير عادية مكلف بإدارة ولاية الجزائر”، ثم “وزير محافظ الجزائر الكبرى”.

ويرى بن سعدي أن العاصمة بحكم حجمها السكاني وتعدد قطاعاتها الاقتصادية والإدارية تحتاج إلى رؤية خاصة وإمكانيات متميزة، وأن المنصب الجديد يمثل أداة لتخفيف التداخل بين الصلاحيات الحكومية وضمان إدارة محلية أكثر فعالية.

ماذا يعني ذلك للعاصمة وبقية الولايات؟

وفي السياق ذاته، يرى الوالي السابق بشير فريك في تصريح لـ “أوراس” أن استحداث المنصب جاء لتعزيز مكانة العاصمة داخل مؤسسات الدولة، خاصة بعد المشاريع الضخمة التي شهدتها في السنوات الأخيرة.

وأكد أن وجود الوالي في الحكومة سيمنح العاصمة قوة إضافية مقارنة ببقية الولايات، مشيراً إلى أن مشروع قانون الجماعات المحلية المقترح يتضمن وضعاً خاصاً للعاصمة والمدن الكبرى مثل وهران وقسنطينة وعنابة.

وخلص فريك إلى أن الاهتمام بالعاصمة يندرج في سياق عالمي، إذ تحظى العواصم عادة بمعاملة خاصة باعتبارها واجهة الدول ومراكز اتخاذ القرار، فضلاً عن كونها تواجه تحديات عمرانية وخدماتية متزايدة تستوجب تكفلًا متميزاً ومؤسسات قوية.

استحداث منصب وزير والٍ للعاصمة قد يكون خطوة إصلاحية لتخفيف التداخل بين صلاحيات الحكومة والإدارة المحلية، وقد يُقرأ أيضاً كامتياز سياسي للعاصمة مقارنة ببقية ولايات الجزائر.

لكن، هل ستمهّد هذه الخطوة فعلاً لتجربة أوسع تشمل ولايات كبرى أخرى مثل وهران وقسنطينة وعنابة؟