تفرز المواسم الانتخابية دائماً ظواهر اجتماعية تستحق التوقف والقراءة، لكن أن تصل الأمور إلى حد اقتراح مواطنةٍ منح “مسمنة” مقابل حشد 20 صوتاً لمرشح معين، فهذا مؤشر يحمل من الدلالات ما يتجاوز الطرافة.

 إن هذه الواقعة، على غرابتها، تسلط الضوء على الفجوة الكبيرة بين فلسفة العمل السياسي والواقع المعيشي للمواطن، وتطرح إشكالاً حقيقياً حول كيفية تعامل المجتمع مع الاستحقاقات المصيرية عندما تُختزل قيمتها في مقايضة غذائية سريعة.

وبعد الجدل الكبير الذي أثارته المادة 200 والتي وصفت بـ”المقصلة”، لغربلتها القوائم الانتخابية بناءً على عدة أسباب يتعلق بعضها باستعمال المال الفاسد، تأتي هذه الحادثة لتفتح جدل شراء الأصوات الانتخابية رغم الصرامة التي فرضتها سلطة الانتخابات.

“مُسمنة” وإغراءات أخرى مقابل 20 صوتا!

تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي، على رأسهم صفحة “ألجريانو” التي تُعنى بمحاربة الظواهر السلبية في المجتمع، فيديو لمواطنة من  الشرق الجزائري تحديدا ولاية تبسة، وهي تطلب من متابعيها 20 صوتاً مقابل “مُسمنة”.

وقالت: “أعطني 20 صوتا، أي 20 شخصا من أفراد عائلتك وتعالي لأعطيك علبة مسمنة”.

وأضافت: “عهد مني أنا، من يريد منصب عمل، أو من يريد معالجة ضرس، نحن فاتحين لكم مكتب الدكتور فيصل براكني وهو مترشح للانتخابات”.

وشددت المتحدثة على أنها لا تمتلك أيّة فائدة من دعوة المواطنين للتصويت لصالح هذا المترشح، بل دافعها الوحيد هو أن المعني يدعم الجميع.

وقالت “ل.ص”، إن المترشح وهو طبيب أسنان طالما عالج الفقراء بدون مقابل.

للإشارة لم يثبت أن المعنية ضمن المديرية الانتخابية للحزب الذي ينتمي إليه المترشح، كما لم يثبت أن المعني طلب منها تنشيط حملة لصالحه.

ماذا يقول القانون؟

في إطار تحديث المنظومة القانونية المنظمة للانتخابات، جاء القانون العضوي رقم 26-05 المؤرخ في 4 أفريل 2026 ليعزز الترسانة التشريعية المرتبطة بنظام الانتخابات، عبر إدخال تعديلات جوهرية على الأمر 21-01، بهدف تشديد الرقابة على تمويل الحملات الانتخابية، وتجفيف منابع “المال الفاسد”، ومنع كل أشكال شراء الأصوات أو استمالة الناخبين بالوعود والمزايا.

ويأتي هذا التعديل في سياق التحضير لتشريعيات 2 يوليو 2026، حيث أعادت السلطات ضبط قواعد المنافسة الانتخابية بما يضمن شفافية أكبر وتكافؤ الفرص بين المترشحين، مع التركيز بشكل خاص على حماية إرادة الناخب من أي تأثير مادي أو معنوي قد يمس بحرية اختياره.

بموجب الصياغة الجديدة، شدّد المشرّع على منع جميع أشكال التأثير غير المشروع على الناخبين، إذ يُحظر على القوائم المترشحة، سواء الحزبية أو المستقلة، تقديم أي هبات أو وعود أو امتيازات مادية أو مهنية مقابل كسب الأصوات.

ويشمل هذا المنع أيضاً الوعود بالتوظيف أو أي منفعة شخصية تُستغل خلال الحملة الانتخابية.

كما توسعت القيود المتعلقة بتمويل الحملات، حيث أصبح من غير المسموح استخدام الأموال أو الوسائل التابعة لجهات خاصة أو أجنبية، مع إخضاع مصادر التمويل لرقابة دقيقة، تقوم على آليات قبلية وبعدية لضمان الشفافية ومنع أي تمويل موازٍ خارج الإطار القانوني.

وفي ظل هذا الإطار التشريعي المحيّن، قامت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بتفعيل جملة من الإجراءات التنظيمية الجديدة الخاصة بتشريعيات 2 يوليو 2026، أبرزها إلزام كل قائمة مترشحة بتعيين أمين مالي رسمي للحملة الانتخابية.

ويتولى هذا المسؤول فتح حساب بنكي وحيد تُحوّل عبره جميع النفقات، بما يسمح بتتبع دقيق للتدفقات المالية وكشف أي معاملات مشبوهة قد تُصنف ضمن الإغراءات غير القانونية. كما عززت السلطة آليات الرقابة الرقمية على ملفات الترشح، خاصة فيما يتعلق بالتوقيعات واستمارات التزكية، للحد من أي تلاعب محتمل في المراحل الأولى للعملية الانتخابية.

في الجانب الجزائي، أبقت المنظومة القانونية المعدلة على الطابع الردعي الصارم تجاه جرائم شراء الأصوات، مع تأكيد مسؤولية جميع الأطراف، بما في ذلك المترشح والوسيط وحتى الناخب.

فكل من يثبت تورطه في تقديم أو وعد بهبات أو مكافآت أو وظائف مقابل التصويت، يُعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، إضافة إلى غرامات مالية. كما تطال العقوبة الناخب الذي يقبل أو يطلب هذه المنافع، باعتباره شريكاً في الإخلال بنزاهة العملية الانتخابية.

أما في حال استعمال وسائل أو أموال عمومية، فإن العقوبات تُشدد إلى أقصى حدودها القانونية، بالنظر إلى خطورة المساس بالحياد الإداري واستغلال المرفق العام لأغراض انتخابية.

وبهذا التعديل، تنتقل العملية الانتخابية في الجزائر إلى مرحلة أكثر صرامة من الرقابة والشفافية، حيث لم يعد منع الإغراء الانتخابي مجرد مبدأ أخلاقي، بل أصبح منظومة قانونية متكاملة تقوم على الحساب البنكي الموحد، والرقابة الميدانية المباشرة، والتتبع القضائي الفوري، بما يعزز حماية الصوت الانتخابي من كل أشكال التأثير غير المشروع خلال استحقاقات 2026.