تحدث الوزير والدبلوماسي الجزائري الأسبق عبد العزيز رحابي عن مسار دبلوماسي أمريكي ووصفه بالمنخرط بوضوح في اتجاه “نقل قسري” لسيادة الشعب الصحراوي إلى المغرب، ضمن جدول زمني متسارع لا يرتبط، حسبه، بالمقاربات الأمريكية السابقة، معتبراً أن الولايات المتحدة لا تكتفي بدور الوسيط، بل تتصرف في هذا المسار كطرف وقاضٍ في آن واحد.

وفي تحليل نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أوضح رحابي أن قضية الصحراء الغربية عرفت خلال الأشهر العشرة الأخيرة حركية دبلوماسية مكثفة تُدار بعيدًا عن الأضواء، وتستند إلى توجهات جديدة في التعاطي مع النزاع.

أولًا: توجه أمريكي مباشر في مسار التسوية

يرى رحابي أن واشنطن تقود مسارًا دبلوماسيًا يهدف إلى فرض تسوية سريعة تقوم على نقل قسري للسيادة، دون اعتبار لمرجعيات المبعوثين السابقين أو مسارات الأمم المتحدة التقليدية، بما في ذلك جهود جيمس بيكر وكريستوفر روس.

ثانيًا: تراجع دور الأمم المتحدة

أشار إلى أن المنظمة الأممية تعيش حالة شلل داخل مجلس الأمن، حيث لم تعد بعثة “المينورسو” تُعامل كآلية لتسوية النزاع، بل كأداة مرافقة لفرض أمر واقع. ويؤكد أن مواقف روسيا والصين، إلى جانب تمسك الجزائر بمبدأ تقرير المصير، حالت دون تمرير مقاربات أكثر حسمًا لصالح الطرح المغربي.

ثالثًا: اصطفاف غربي حول مقترح الحكم الذاتي

لفت إلى وجود تحرك غربي منسق لدعم الحكم الذاتي المغربي، متأثر بقرار واشنطن سنة 2020 وانضمام المغرب إلى “اتفاقيات أبراهام”، أكثر من ارتباطه بمضمون المبادرة نفسها، ما غيّر طبيعة النزاع إلى صراع نفوذ إقليمي ودولي.

رابعًا: خطاب سياسي يعيد صياغة الواقع

أشار رحابي إلى أن بعض الأطراف تبني سردية  وهمية عن “نجاح” الدبلوماسية المغربية، مدعومة بقوى دولية وامتدادات سياسية ومالية في إفريقيا، في مقابل تقديم طرح الحكم الذاتي كحل نهائي، رغم مرور سنوات طويلة دون حسم فعلي للنزاع.

 وتابع رحابي  بقوله” ليس كما يُراد إقناعنا بأن خطة الحكم الذاتي هي السبيل الأنسب للخروج من الأزمة. ولا يمكن تفسير هذا الأثر المتأخر بنحو 20 عاماً، منذ الإعلان عن هذه الخطة، بشكل موضوعي بمجرد طول مدة الصراع، الذي أصبح الحجة الوحيدة التي يسوقها داعموها في الغرب خلال السنوات الأخيرة”.

وفي سياق متصل، انتقد رحابي ما يعتبره مقاربة استعمارية غير مباشرة لدى بعض القوى الغربية(القوى الاستعمارية السابقة  كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا وألمانيا) التي تركز على “طول أمد النزاع”، دون مراعاة معاناة آلاف اللاجئين الصحراويين عبر 50 عامًا ، معتبرًا أن هذا الواقع يعكس اختلالًا في مقاربة الملف.

وشدد على ضرورة منح الوقت لمسار تفاوضي حقيقي يضمن إشراك جميع الأطراف، وفي مقدمتهم جبهة البوليساريو كممثل للشعب الصحراوي، ضمن عملية تقرير مصير حرة وشفافة، بما ينسجم مع قرارات الأمم المتحدة، ومنها القرار 2797.

كما اعتبر أن تسارع التطورات لا يعكس تسوية طبيعية، بل يرتبط بتوازنات دولية هشّة قد تُنتج عدم استقرار متعمد طويل الأمد، خصوصًا داخل مخيمات اللاجئين، مع استمرار ترقب حل سياسي لم يتحقق بعد.

وفي سياق أوسع، يرى رحابي أن هذا المسار يثير قلقًا داخل الرأي العام الجزائري، الذي يدرك ضرورة التوصل إلى تسوية، لكنه يشعر بالقلق من اصطفافات دولية معاكسة للمواقف الدبلوماسية للجزائر، مع تزايد الاهتمام الدولي من داعمي القضية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وأكد في ختام تحليله أن الجزائر، بحكم عقيدتها السيادية وتاريخها الخاص ، لا يمكن أن تقبل وضعاً جديداً تمس حدودها أو أمنها الإقليمي، خاصة في ظل غياب “ضمانات الأمن الإقليمي التي لا يمكن بطبيعة الحال أن تأتي لا من جار معروف تاريخياً بعدوانيته ونزعته التوسعية”، معتبرًا أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تُقدم كوسيط وهي التي لا تولي اهتماماً يذكر للقانون الدولي.

وتابع بالقول: “لا يمكن للولايات المتحدة أن تدعي بموضوعية أنها وسيط محايد وهنا يكمن التهديد الأكبر، وهو أن يُنظر إلى القضية الصحراوية حصرياً من منطلق أمني”.

وختم  المتحدث ذاته بالإشارة إلى أن المنطقة الممتدة من ليبيا إلى مالي وصولًا إلى الصحراء الغربية تشكل هلال توتر متصل، يضع الجزائر أمام ضغوط أمنية وجيوسياسية متعددة، في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.