“مكة تنادي أحبابها”… (عيطت لي مكة)… عبارة شعبية تتكرر كثيرا في الجزائر مع كل موسم حج، خصوصا عندما يفوز شخص في قرعة تأشيرة الحج وينال فرصة زيارة البقاع المقدسة، ربما بعد محاولات خلال سنوات طويلة من الانتظار.
الحج لمن استطاع
بعيدا عن الإجراءات الإدارية، يحتفظ الجزائريون بعلاقة خاصة مع رحلة الحج وتفاصيلها، هكذا يفسر فوز البعض بتأشيرة إلى البقاع المقدسة، بعد سنوات طويلة من الانتظار.
وعليه ينظر إلى أداء المناسك وسط المجتمع الجزائري كمهمة سفر وإعلاء شأن شعيرة دينية لركن من أركان الإسلام لمن استطاع إليه سبيلا.
وأكثر من ذلك فهي حدث استثنائي تعيشه العائلات مع الحجاج بمختلف الطقوس والعادات التي تبجّل هذه الفريضة وترفع مكانتها بين العائلات.
الحج.. ذكرى لا تنطفئ
يعتبر الجزائريون رحلة الحج أكبر من السفر في حدّ ذاته، بل وتبدأ منذ سنوات طويلة مع أول تسجيل في القرعة، حيث يتحول الموعد السنوي لإعلان النتائج إلى لحظة ينتظرها كثيرون بشغف ولهفة.
في هذا الإطار فإنّ “ذكريات الحج لا تُنسى إلى الموت”، كما يقول الحاج عبد القادر لحياني، فهو كثيرا ما يتذكر سفريته الأولى لمكة بل ويذرف الدموع كلما تذكرها وتحدث عنها بشوق وكأن السفر إليها كان البارحة، وخصوصا عند سماعه لموعد القرعة أو رؤية الحجاج عبر شاشة التلفزيون.
ففي لحظة تختلط فيها المشاعر، بالنسبة لمن سبق لهم أداء المناسك في السنوات الماضية، كثيرا ما تستحضرهم الذكريات عند كل موسم حج، ويذرفون الدموع شوقا لتلك الرحلة التي لا تنسى.
وفي المقابل، يعيش من لم يسعفهم الحظ في قرعة الحج مشاعر مختلفة، تتراوح بين الأمل والحزن، فالخيبة كبيرة لكنها في الآن نفسه ترفع من قوة الإنسان على المحاولة مرة أخرى، والتعبير عن ذلك بالقول:” مازال ما عيطتليش الكعبة”.
“يا كعبة يا بيت ربي محلاك”
يقول الفنان الراحل عبد الرحمن عزيز في إحدى أشهر الأناشيد الدينية التي تتغنى ببيت الله الحرام وتمدح النبي إبراهيم عليه السلام: “يا كعبة يا بيت ربي محلاك، وَالسلام على الخليل لي بناك، إن شاء اللَّه نزورها اللَّه أكبر ونشاهد نورها اللَّه أكبر …”
وتحضُر هذه المعاني الروحية في الذاكرة الجزائرية، حيث يمتزج البعد الديني بالطقوس الاجتماعية التي ترافق موسم الحج.
فاللافت أن تحضيرات السفر تبدأ منذ إعلان نتائج قرعة الحج، وتتحول بيوت الجزائريين إلى فضاء للفرح والدعوات والاستعدادات، وتجهيز مستلزمات السفر إلى البقاع المقدسة.
أبرز طقوس الحج
ما هو متعارف عليه في الجزائر أن الحج مرتبط بطقس يسمى “الوعد” أو إقامة عشاء الحج كتقليد اجتماعي، يسبق السفر إلى المملكة العربية السعودية.
وفي هذه المناسبة تستقبل عائلات الحجاج الأقارب والجيران وسط أجواء عائلية خاصة، وتحضر لها أطباق تقليدية على رأسها طبق “الكسكسي”.
وتعتبر هذه العادة “الوعدة” من العادات المرتبطة بالأفراح والمناسبات لكنها في موسم الحج تعدّ وليمة كبرى يودع بها الحجاج أهلهم وأقاربهم وجيرانهم، لأنّها جزءا من الذاكرة الاجتماعية التي ترثها الأجيال.
وداع الحجاج
في الجانب الآخر، يحرص الزوار على توديع الحاج وطلب الدعاء منه قبل السفر، كما يحظى الحجاج بالوداع في المطار إذ تتحول لحظات المغادرة إلى مشاهد تختلط فيها الزغاريد بالدعوات والدموع.
هذه المشاهد تمنح الحجاج قبل المغادرة مكانة اجتماعية رفيعة وتعتبر بحسب البعض “رمزية اجتماعية”، ولهذا يحرص كثيرون قبل السفر على تصفية الخلافات والدعاء للحاج بتسهيل الرحلة والعودة سالما بعد أداء المناسك في مكة المكرمة.
مع هذه المشاعر والطقوس التي ترافق موسم الحج في الجزائر، يبقى هناك وجه آخر لمشهد الحج بين الماضي والحاضر.
رحلة البقاع المقدسة.. كيف تغير الحج في الجزائر؟
كان الحج في الماضي رحلة شاقة طويلة، مثلما توثقه الكتابات التاريخية، لكنها في الوقت نفسه تجربة إنسانية وثقافية غنية تستحق أن تروى وتحفظ في ذاكرة الأجيال.
وعليه كانت الرحلة تستغرق أشهرا طويلة بسبب مشقة الطريق والتنقل عبر البر والبحر، مثلما يسمى بـ” قوافل ركب الحجيج”.
كما ارتبطت بالكثير من الحكايات التي ماتزال حاضرة في الذاكرة الجزائرية، خاصة تلك المتعلقة بصعوبات السفر والتنقل بين البلدان.
وبعدما اختصرت الطائرات اليوم المسافات أصبحت الرحلة تستغرق ساعات فقط للوصول إلى البقاع المقدسة، لكن تبقى معها صورة الحجاج التي تحظى باحترام كبير في المجتمع الجزائري.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين