تُخيِّم حالة من الصدمة السياسية والترقب القانوني على الأوساط الحزبية في الجزائر عقب انقضاء المهلة القانونية لمعالجة لوائح المترشحين للانتخابات التشريعية المقررة في الثاني من جويلية 2026.

وأسفرت عملية معالجة الملفات من طرف المندوبيات الولائية التابعة لـالسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عن إقصاءات واسعة وغير مسبوقة شملت مئات المترشحين من قوى المعارضة والموالاة على حد سواء واستندت في معظمها إلى تقارير وتحريات إدارية وأمنية مما فجر موجة تنديد سياسي قادتها تشكيلات حزبية بارزة طالبت بتدخل عاجل من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لوقف ما وصفته بـ “الانحراف السلطوي” والتطبيق التعسفي للنصوص القانونية.

أرقام صادمة وإقصاءات تمس عصب القوائم الحزبية

وحسب البيانات والتقارير الواردة من الولايات الـ 69 والدوائر الثماني في الخارج فإن حجم إسقاط الأسماء شكل مفاجأة وصفت بالتاريخية منذ بدء عهد التعددية السياسية عام 1997 إذ بلغت نسب الإقصاء في بعض القوائم أزيد من ثلثي الأعضاء المترشحين مما يضع الأحزاب أمام معضلة حقيقية لتعويضهم في فترات زمنية وجيزة.

وسجلت العاصمة الجزائرية إقصاء 12 مترشحاً من قائمة حركة مجتمع السلم (حمس) من مجموع 38 اسماً وتعرضت قائمة حزب “صوت الشعب” بالعاصمة لـغربلة أطاحت بأزيد من 30 مترشحاً من أصل 38. وتكرر المشهد في ولاية بومرداس بإسقاط 12 مترشحاً من قائمة جبهة التحرير الوطني وفي ولاية البليدة برفض 10 مترشحين من لائحة التجمع الوطني الديمقراطي فضلاً عن إسقاط 7 مترشحين من حركة البناء الوطني في ولاية ميلة مما يعكس شمولية الإجراءات لكافة التيارات السياسية دون تمييز.

المادة 200 وتهمة “المال المشبوه” تحت مجهر الانتقاد السياسي

وتركزت ردود الفعل الغاضبة للأحزاب حول الاستناد الواسع والمكثف على نص المادة 200 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات والتي تشترط في المترشح “ألا يكون معروفاً لدى العامة بصلته بأوساط المال والأعمال المشبوهة أو تأثيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الاختيار الحر للناخبين وحسن سير العملية الانتخابية”.

وعبرت حركة مجتمع السلم عن بالغ قلقها إزاء التوسع في التطبيق “التعسفي والانتقائي” لهذه المادة دون وجود أحكام قضائية نهائية تثبت التهم واعتبرت ذلك مساساً خطيراً بالحقوق الدستورية والسياسية وتعدياً على مبدأ قرينة البراءة وتكافؤ الفرص وحذرت “حمس” من أن هذه المقاربات توحي بوجود “هندسة مسبقة للمشهد الانتخابي والتحكم في مخرجاته” مما يسهم في تكريس الانغلاق وتعميق فجوة الثقة وتغذية العزوف الشعبي عن الصناديق.

المادة 200 من القانون العضوي للانتخابات تشترط في المترشح ألا يكون معروفاً لدى العامة بصلته بأوساط المال والأعمال المشبوهة أو تأثيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الاختيار الحر للناخبين وحسن سير العملية الانتخابية

وفي السياق ذاته ناشد حزب العمال رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بصفته القاضي الأول للبلاد وضامن الدستور التدخل الفوري لوقف ما أسماها “المذبحة الانتخابية” ودعا إلى تجميد المادة 200 والمادتين 01 و206 واصفاً إياها بالآلة الكاسحة للحقوق المدنية ومؤكداً أن قرارات الرفض الإداري تحولت إلى إدانات مسبقة دون محاكمة طالت مناضلين نزهاء لا صلة لهم بالمال الفاسد، وحذر الحزب من انحراف خطير يعيد إلى الأذهان ممارسات سنة 1997.

من جهتها نددت جبهة القوى الاشتراكية (الأفافاس) بما وصفته بـ “عملية الإقصاء السياسي الممنهجة” لقوائمها داخل الوطن وخارجه واعتبر الأمين الوطني الأول للحزب يوسف أوشيش أن المترشحين واجهوا عراقيل بيروقراطية وتأويلات تعسفية تهدف لغلق المجال السياسي وتحييد الأصوات المعارضة وأعلنت الجبهة لجوءها للقضاء الإداري مع الاحتفاظ بحقها في اتخاذ المواقف السياسية المناسبة لاحقاً.

مناورات عشية العيد وتحذيرات من برلمان “على مقاس الحكومة”

ودخل حزب “جيل جديد” على خط المواجهة معلناً رفضه القاطع لإسقاط قوائمه في الوطوفي المهجر واصفاً الخطوة بـ “المناورة السياسية المتعمدة” وأوضح الحزب أن صدور أغلب قرارات الرفض عشية عيد الأضحى مثل عائقاً تنظيمياً جعل عملية إعداد الطعون القانونية في الآجال الضيقة أمراً بالغ الصعوبة واعتبر الحزب أن توجيه تهم الارتباط بأنشطة مشبوهة لإطارات حركية معتمدة ومصادق عليها في مؤتمرات رسمية ومسجلة لدى وزارة الداخلية يعد تشهيراً ومساساً خطيراً بالسمعة والشرف دون أدلة مادية أو أحكام قضائية.

النائب بالمجلس الشعبي الوطني، عبد الوهاب يعقوبي
يعقوبي حذّر من إعادة تشكيل البرلمان على مقاس السلطة التنفيذية

ومن داخل قبة البرلمان أطلق النائب بالمجلس الشعبي الوطني عبد الوهاب يعقوبي تحذيرات شديدة اللهجة معتبراً أن إقصاء نواب ممارسين يملكون الخبرة والشرعية الانتخابية ليس مجرد إجراء عابر بل هو “مؤشر خطير على محاولة إعادة تشكيل البرلمان على مقاس السلطة التنفيذية” وتحويله من سلطة رقابية مستقلة إلى فضاء للأصوات المضمونة والتصفيق المنظم، وأضاف يعقوبي أن هذه السياسة تقلب المعادلة الدستورية لتصبح الحكومة هي من تحدد وتراقب من يدخل البرلمان ومن يستبعد وتلغي فكرة النائب المستقل والمزعج الذي يطرح الأسئلة الصعبة ويكشف الاختلالات دفاعاً عن مصالح الشعب وحماية للتوازن بين السلطات.

مقصلة التحري تطال نشطاء “الحراك الشعبي”

ولم تتوقف قرارات سلطة الانتخابات عند النواب والأطر التقليدية بل امتدت لتطال عدداً من أبرز الوجوه الشبابية والنشطاء السابقين في حراك سنة 2019 والذين حاولوا في هذه المحطة الانخراط في المسار السلمي والعمل المؤسساتي المنظم عبر بوابات الأحزاب الموالية والمعارضة.

المحامي هاشم ساسي يمينا والناشط حمزة بركاني
المحامي هاشم ساسي يمينا (عن حزب RND) والناشط حمزة بركاني (جبهة العدالة والتنمية) تعرضا للإقصاء بسبب المادة 200 من القانون العضوي للانتخابات

وشكل إقصاء المحامي والناشط البارز هاشم ساسي الذي ترشح متصدراً لقائمة حزب التجمع الوطني الديمقراطي (الموالي للسلطة) في ولاية باتنة مفاجأة وصفت بالمستغربة بالنظر لانخراطه المبكر في دعم المسار الدستوري وتعيينه مستشاراً للأمين العام للحزب غير أن ذلك لم يشفع له في العبور من مقصلة الفحص الإداري.

وطاول الرفض الناشط السياسي سمير بلعربي الذي ترشح عن جبهة العدالة والتنمية حيث أبلغته السلطة برفض ملفه بدعوى الصلة بأعمال مشبوهة دون تحديد طبيعتها القانونية.

وتكرر الموقف مع الناشط النقابي إيبك عبد المالك في ولاية ورقلة جنوب البلاد والذي ترشح باسم جبهة القوى الاشتراكية لنقل التراكمات النضالية للجان البطالين ومناهضي الغاز الصخري إلى قبة البرلمان وقوبل ملفه بالرفض بدعوى “شبهات تمس بأخلقة العمل السياسي” بالإضافة إلى إسقاط ملف المدون والناشط الشبابي حمزة بركاني المترشح عن جبهة العدالة والتنمية.

وتؤكد هذه الوقائع المتلاحقة استمرار التباين بين رغبة السلطة في غربلة القوائم وتطهيرها وبين مطالب الأحزاب التي ترى في الإجراءات وسيلة لتحييد الكفاءات والأصوات النقدية المستقلة في محطة سياسية مفصلية.