في ظل تكرار وفيات أطباء أثناء أو عقب فترات عمل شاقة، صعّدت النقابة الوطنية للأطباء العامين للصحة العمومية لهجتها تجاه السلطات الصحية، معتبرة أن ما يحدث لم يعد حوادث معزولة، بل مؤشرًا على أزمة هيكلية تتطلب تدخلاً عاجلاً لإعادة النظر في نظام العمل داخل المؤسسات الاستشفائية.
وأكدت النقابة، في بيانين متتاليين، أن وفاة كل من الدكتور كموش كريم من ولاية بجاية، والدكتورة حنان بومعزة من ولاية سكيكدة، رفعت عدد الوفيات المسجلة في صفوف الأطباء إلى ستة خلال أيام قليلة، مشيرة إلى أن القاسم المشترك بين هذه الحالات يتمثل في المناوبات المتتالية، والإرهاق المزمن، والضغط المهني الذي يواجهه العاملون في القطاع الصحي.
واعتبرت النقابة أن هذه المآسي المتكررة تمثل رسالة مباشرة إلى وزارة الصحة، داعية إلى مراجعة شاملة لنظام المناوبات وساعات العمل، بدل الاكتفاء ببيانات التعزية التي “لا تغيّر من الواقع شيئًا”. وأضافت أن سنوات من السياسات، التي لم تضع ظروف عمل الأطباء والممرضين في صلب الأولويات، أفضت إلى استنزاف الكوادر الصحية وتحويل مهنة إنقاذ الأرواح إلى بيئة محفوفة بالمخاطر.
وفي بيان آخر صدر عقب وفاة الطبيب باديس أيمن إثر سكتة قلبية بعد مناوبة وصفتها النقابة بـ”الشاقة”، شددت على أن هذه الوفاة هي الرابعة خلال ستة أشهر، معتبرة أن تكرار الحوادث بهذا الشكل يستوجب “وقفة جادة وميدانية”، وأن الصمت أمام هذا “النزيف البشري” لم يعد مقبولاً.
وربطت النقابة بين الوفيات المتتالية وطبيعة ظروف العمل، مشيرة إلى أن ساعات العمل الطويلة، والمناوبات المتواصلة، والضغط النفسي، إضافة إلى النقص الحاد في الموارد البشرية، تشكل عوامل رئيسية تستنزف الأطباء جسدياً ونفسياً، وقد تنعكس على صحتهم وسلامتهم.
وطالبت النقابة السلطات العمومية باتخاذ إجراءات وصفتها بالعاجلة، في مقدمتها فتح تحقيق شامل في أسباب الوفيات الأخيرة، ودراسة مدى ارتباطها بنظام المناوبات المعمول به، إلى جانب إعادة هيكلة نظام ساعات العمل بما يتوافق مع المعايير الطبية الدولية، مع ضمان فترات راحة إلزامية، فضلاً عن تعزيز الموارد البشرية لسد العجز المسجل في المؤسسات الصحية.
وأكدت النقابة أن حماية الطبيب الجزائري ليست مطلباً نقابياً فحسب، بل شرطاً أساسياً لضمان استمرارية المرفق الصحي، محذرة من أن استمرار استنزاف الكفاءات البشرية قد ينعكس على قدرة المنظومة الصحية بأكملها على أداء مهامها.
وتأتي هذه المطالب في وقت يتزايد فيه النقاش حول تنظيم ساعات عمل الأطباء، في ظل معايير دولية تدعو إلى الحد من المناوبات الطويلة وتقليص مخاطر الإرهاق المهني، حفاظاً على صحة الأطباء وسلامة المرضى على حد سواء.
وزارة الصحة تشدد
أصدرت المديرية العامة للهياكل الصحية وإصلاح المستشفيات بوزارة الصحة تعليمة تذكيرية، تزامنا مع الحادثتين، تدعو فيها، إلى الاحترام الصارم لمواقيت المداومة ومنح الراحة التعويضية لفائدة مستخدمي المؤسسات العمومية للصحة، وذلك تطبيقًا للنصوص التنظيمية السارية.
وأكدت التعليمة أن الهدف من هذه الإجراءات هو ضمان استمرارية الخدمة العمومية الاستشفائية، والحفاظ على سلامة المرضى وجودة التكفل بهم، إلى جانب حماية صحة وسلامة المستخدمين الطبيين وشبه الطبيين.
وتنص التعليمة على أن مواقيت المداومة تبقى محددة وفقًا للتنظيم المعمول به، مؤكدة أن كل مداومة ليلية تخول لصاحبها الحق في يوم راحة تعويضية مباشرة بعد انتهاء المداومة.
كما شددت على أن هذا الحق إلزامي، ولا يُستثنى منه إلا إذا أعقبت المداومة مباشرة الراحة الأسبوعية أو عطلة قانونية.
وحمّلت وزارة الصحة مديري المؤسسات العمومية للصحة ورؤساء المصالح مسؤولية السهر على التطبيق الصارم لهذه الأحكام، كلٌّ في حدود صلاحياته، بما يضمن حسن سير المرفق العمومي الصحي واحترام حقوق المستخدمين.
الأطباء يعلقون
تفاعل الأطباء بقوة مع تزايد الوفيات بسبب التعب والإرهاق الناجمين عن المناوبات.
واعتبرت صفحة “ملتقى عمال الصحة“، أن جداول المناوبة غير المدروسة لعمال قطاع الصحة بحجة ضرورة المصلحة وكثرة ساعات العمل أصبحت تشكل خطرًا حقيقيًا على مستخدمي القطاع من الناحيتين النفسية والجسدية.
ودعت وزارة الصحة إلى التدخل العاجل لمعالجة هذا الملف قبل أن تترتب عليه انعكاسات وتبعات خطيرة على العاملين وجودة الخدمات الصحية.
من جهته، انتقد الطبيب الجراح بحري جاد مصطفى، واقع المناوبات في الجزائر ، وكتب على صفحته الرسمية “فيسبوك”: “إلى متى ؟ ونحن نُفجع في إخوتنا وأخواتنا ؟ إلى متى والجزائر تفقد خيرة أطبائها في ريعان الشباب هدرًا بسبب الإعياء والإجهاد النفسي و الجسدي جراء المناوبات الطويلة والشاقة بوسائل جد محدودة لا لشيئ إلا لأنهم ضحّوا بأنفسهم ورفعوا شعار خدمة المريض عالياً”.
وأضاف: “هل هناك بعد الموت مبرر ٱخر يحرّك أنظار الجهات المسؤولة لتحسين ضروف عملهم لتأمين أعمدة هذا القطاع قبل فوات الأوان؟”.
بينما كتب “معسكر UGTA مجلس التنسيق الولائي لمعسكر لعمال الصحة: “حينما تنتهي حملات “الأمن والسلامة المهنية” لوزارة العمل داخل القاعات المكيفة والبروتوكولات الصورية، يظل عمال قطاع الصحة يواجهون مصيرهم المعزول، ثلاثة أيام مرت على اختتام تلك الحملة دون أن تطأ أقدام لجان التفتيش أرض مستشفياتنا وعياداتنا، ودون تسجيل زيارة ميدانية واحدة تعاين حجم الإنسانية والمهنية التي يعيشها الموظف داخل أسوار المصلحة الطبية”.
وأضاف: “واليوم، وبدلاً من تكريم هذا القطاع وحمايته، نجد أنفسنا نعود إلى نفس الدوامة ونفس المعاناة، ليفجع الميدان تباعاً بوفيات مأساوية جديدة لأطباء وممرضين، لم تكن مجرد قضاء وقدر عابر، بل هي نتيجة حتمية لنظام عمل غير عادل تماماً، ولتلك المناوبات غير العادلة وساعات العمل الطويلة وغير القانونية، وعلى رأسها نظام الـ 24 ساعة المنهك والمخالف للتشريعات.. أنظمة تفرض ساعات عمل مرتفعة، مقلقة، ومغلقة، تحبس العامل وتستنزف طاقته البشرية والنفسية تحت لواء “التعليمات ” و “ضرورة المصلحة…، الكلمة التي تحولت إلى مشجب لتبرير إنهاك الأطقم الطبية وتغطية العجز الفادح في التعداد البشري.”
ماذا تقول المعايير العالمية؟
تثير ساعات العمل الطويلة للأطباء جدلاً متجدداً في مختلف الأنظمة الصحية، خاصة مع تزايد التحذيرات من آثار الإرهاق المهني على جودة الرعاية الصحية وسلامة المرضى.
وبينما يعتقد كثيرون أن منظمة العمل الدولية أو منظمة الصحة العالمية تحددان سقفاً موحداً لساعات مناوبات الأطباء في جميع دول العالم، فإن الواقع يختلف، إذ تكتفي المنظمتان بوضع مبادئ وتوصيات عامة، بينما تتولى الهيئات التنظيمية المتخصصة وضع المعايير الملزمة.
ولا تفرض كل من منظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية رقماً عالمياً موحداً لساعات عمل الأطباء، وإنما تركزان على ضرورة الحد من الإرهاق المهني وتوفير بيئة عمل آمنة.
ففي اتفاقياتها العامة، تؤكد منظمة العمل الدولية أن ساعات العمل القياسية ينبغي ألا تتجاوز 48 ساعة أسبوعياً، مع ضرورة ضمان فترات راحة كافية، مشددة على أن القطاع الصحي يحتاج إلى تنظيم خاص يراعي طبيعة المهنة ويحد من ظاهرة الاحتراق الوظيفي.
من جهتها، تحذر منظمة الصحة العالمية، في تقاريرها المشتركة، من مخاطر العمل لأكثر من 55 ساعة أسبوعياً، لارتباطه بارتفاع احتمالات الإصابة بالسكتات الدماغية وأمراض القلب، فضلاً عن زيادة الأخطاء الطبية الناتجة عن الإجهاد، وهو ما يجعل تنظيم ساعات العمل جزءا أساسيا من سياسات سلامة المرضى.
وعلى مستوى التشريعات العملية، يعتمد العالم نموذجين رئيسيين لتنظيم ساعات عمل الأطباء، لا سيما الأطباء المقيمين والمتدربين.
ويُعد النموذج الأوروبي الأكثر تشدداً في حماية الأطباء، فوفق توجيهات وقت العمل الأوروبية (EWTD)، يبلغ الحد الأقصى لساعات العمل 48 ساعة أسبوعياً، محسوبة كمعدل على مدار 26 أسبوعاً، وتشمل ساعات المناوبات والنداءات.
كما لا يجوز أن تتجاوز المناوبة المتواصلة 13 ساعة من العمل الفعلي، مع إلزام المؤسسات الصحية بمنح الطبيب 11 ساعة راحة متصلة كل 24 ساعة، واستراحة لا تقل عن 20 دقيقة إذا تجاوزت المناوبة ست ساعات، إضافة إلى يوم راحة أسبوعي كامل أو يومين متتاليين كل أسبوعين.
أما النموذج الأمريكي، الذي يعتمده مجلس اعتماد التعليم الطبي العالي، فيمنح مرونة أكبر في عدد ساعات العمل، إذ يسمح بحد أقصى يبلغ 80 ساعة أسبوعياً، تُحسب كمعدل خلال أربعة أسابيع. كما يمكن للطبيب العمل لمدة 24 ساعة متواصلة في الرعاية السريرية، مع السماح بأربع ساعات إضافية مخصصة لتسليم المرضى أو الأنشطة التعليمية، دون استقبال مرضى جدد بعد انتهاء الساعات الأربع والعشرين الأولى.
ويُلزم النظام الأمريكي أيضاً المؤسسات الصحية بتوفير فترة راحة تتراوح بين 8 و10 ساعات بين المناوبات الاعتيادية، وترتفع إلى 14 ساعة بعد المناوبة الممتدة لـ24 ساعة، إلى جانب يوم راحة كامل من كل سبعة أيام في المتوسط.
وتعكس هذه الاختلافات تبايناً في فلسفة إدارة الموارد البشرية داخل الأنظمة الصحية، فبينما تعطي المدرسة الأوروبية الأولوية لتقليل الإرهاق وحماية صحة الطبيب، ترى المدرسة الأمريكية أن التدريب السريري المكثف يتطلب ساعات عمل أطول، مع فرض ضوابط للحد من المخاطر.
ورغم اختلاف الأرقام والآليات، يبقى الهدف المشترك للمعايير الدولية هو تحقيق توازن بين استمرارية تقديم الخدمات الصحية، وحماية الأطباء من الإنهاك، وضمان أعلى مستويات السلامة للمرضى، في ظل قناعة متزايدة بأن الطبيب المرهق لا يهدد صحته فحسب، بل قد يؤثر أيضاً في جودة الرعاية الطبية التي يقدمها.
المناوبات في الجزائر: بين صرامة النصوص وتحديات الميدان
تُشكّل المناوبة الطبية، العصب الحقيقي لاستمرارية المرفق الصحي العام في الجزائر، فهي خط الدفاع الأول الذي يضمن للمواطن رعاية طبية على مدار 24 ساعة.
غير أن هذا النظام، الذي يقع في قلب القوانين الأساسية لمستخدَمي قطاع الصحة (ولا سيما الأطباء المقيمين والعامين والاختصاصيين)، يمثل دائماً نقطة تماس ساخنة بين المطالب النقابية والالتزامات التنظيمية للوزارة الوصية.
وتخضع مواقيت المناوبات في المؤسسات الاستشفائية الجزائرية لنصوص رسمية واضحة ومستمدة من المنظومة التشريعية للوظيفة العمومية وقانون العمل.
وتتخذ هذه المناوبات شكلين أساسيين حسب أيام الأسبوع كالتالي:
أيام الأسبوع العادية (من الأحد إلى الخميس): تمتد المناوبة قانوناً لـ 16 ساعة متواصلة، وتبدأ مباشرة بعد انتهاء ساعات الدوام الإداري (من الساعة 16:00 مساءً وحتى الساعة 08:00 من صباح اليوم الموالي).
ونظراً لأن الطبيب ملزم بأداء عمله اليومي العادي قبل المناوبة، فإن فترة تواجده الفعلي في المستشفى تصل إلى 24 ساعة كاملة (8 ساعات عمل عادي + 16 ساعة مناوبة ليلية).
عطل نهاية الأسبوع (الجمعة والسبت) والأعياد الرسمية: تمتد المناوبة خلال العطل لـ 24 ساعة كاملة ومتصلة، تبدأ من الساعة 08:00 صباحاً وتستمر حتى الثامنة من صباح اليوم الموالي.
الراحة الاسترجاعية وسقف المناوبات
لحماية الصحة البدنية والذهنية للأطباء وضمان سلامة المرضى من الأخطاء الناتجة عن الإرهاق، أقرّ المشرّع الجزائري آليات وقائية واضحة:
الراحة الاسترجاعية الإلزامية: يحق للطبيب قانوناً الاستفادة من يوم راحة كامل يبدأ فور تسليمه للمناوبة (في الساعة 08:00 صباحاً)، ويُمنع إجباره على مواصلة العمل السريري أو الاستشاري في ذلك اليوم.
الحد الأقصى شهرياً: تشير توجيهات الوظيف العمومي والتنظيمات الداخلية للمستشفيات إلى أن عدد المناوبات شهرياً يتراوح عادة بين 4 إلى 6 مناوبات لكل طبيب، لضمان التوازن الفسيولوجي للعاملين.
ماذا عن الواقع الميداني؟
رغم وضوح الأطر القانونية، إلا أن التقارير النقابية (مثل نقابات الأطباء المقيمين والأخصائيين) تبرز مراراً وجود “فجوة تطبيقية” تفرضها تحديات الميدان، وأبرزها:
المصالح الحساسة وضغط “الاستعجالات”: في بعض المصالح الكبرى كالتوليد، وإنعاش الأطفال، والجراحة العامة، يفرض النقص العددي للأطباء أحياناً التضحية بالراحة الاسترجاعية، أو تجاوز السقف الشهري للمناوبات لتغطية النقص.
معادلة التعويض المالي: تظل مراجعة “منحة المناوبة”، وتحديث قيمتها المالية لتتناسب مع حجم التضخم والجهد المبذول، مطلباً قديماً متجدداً على طاولات الحوار الاجتماعي.
تحركات لافتة
شهدت المنظومة الصحية مؤخراً حركية لافتة، لا سيما مع المصادقة على المراجعات الشاملة للقوانين الأساسية والأنظمة التعويضية لمهنيي قطاع الصحة، بالإضافة إلى فتح مناصب مالية جديدة لتدعيم المستشفيات بالأطباء الأخصائيين والعامين.
وتصب هذه الجهود التنظيمية في اتجاه تشديد الرقابة على مدراء المؤسسات الصحية لفرض احترام الراحة الاسترجاعية وضمان بيئة عمل آمنة، لكون الاستثمار في راحة الطبيب هو الضمانة الأولى لسلامة المريض الجزائري.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين