قال وزير المالية عبد الكريم بو الزرد إن السلطات العمومية تواصل تنفيذ جملة من التدابير الهادفة إلى التحكم في عجز الميزانية العامة وضمان الوفاء بالدين الداخلي، في إطار مقاربة مالية متوازنة.
وأوضح، في رده على سؤال كتابي للنائب البرلماني أحمد بلجيلالي، أن هذه الجهود تقوم أساساً على تقليص العجز تدريجياً عبر الاستهداف الأمثل للدعم العمومي.
وأضاف أن توجيه الدعم للفئات المستحقة فعلياً يسهم في رفع كفاءة التحويلات الاجتماعية وتحقيق فعالية أكبر في الإنفاق العمومي.
وأشار إلى أن الهدف الأساسي للسياسة المالية لا يتمثل في القضاء التام على العجز، بل في توظيفه لخدمة النمو الاقتصادي ودعم التشغيل الكامل.
وأكد أن الحفاظ على استقرار الأسعار يظل من الثوابت الرئيسية للسياسة المالية المعتمدة.
العجز المالي بين الضرورة الاقتصادية وضبط التوازنات
وأوضح الوزير أن العجز المسجل “لا يعد عائقاً في حد ذاته ما دام موجهاً نحو تمويل الاستثمارات المنتجة وتعبئة الطاقات غير المستغلة”.
وبيّن أن العجز المالي لا يشكل مؤشراً سلبياً عندما يكون ضمن إطار منضبط يضمن التحكم في التضخم واستدامة الدين العمومي.
ولفت إلى أن السياسة المالية تهدف إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام والوصول إلى مستويات قريبة من التشغيل الكامل.
وشدد على أن الحكومة ستواصل تنفيذ سياسة مالية متوازنة تدمج بين التحفيز الاقتصادي والاستدامة المالية.
وأشار إلى أن هذه المقاربة تضمن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي وتحقيق أهداف التنمية الشاملة.
آفاق تقليص العجز وتوسيع الوعاء الجبائي
ولفت بو الزرد إلى أن الإجراءات المتخذة من المنتظر أن تعيد العجز إلى مستويات مقبولة في حدود 10 بالمائة من الناتج الداخلي الخام في آفاق سنة 2028.
وأضاف أن من بين التدابير المعتمدة توسيع الوعاء الجبائي عبر إصلاحات معمقة للنظام الضريبي تجعله أكثر عدالة وشمولية.
وأوضح أن هذه الإصلاحات تهدف إلى تعزيز الثقة وتقوية الامتثال الطوعي لدى المكلفين بالضريبة.
وأكد أن تحسين التحصيل الجبائي يمر عبر مكافحة التهرب الضريبي والاعتماد على الرقمنة والتكنولوجيات المالية الحديثة.
وأشار إلى أن هذه الآليات تعزز الشفافية والفعالية في إدارة الموارد العمومية.
ترشيد الإنفاق وتحسين تخصيص الموارد
وأوضح وزير المالية أن تحسين تخصيص الموارد الميزانياتية يتم من خلال اعتماد مقاربة مبنية على النتائج.
وأضاف أن ترتيب أولويات الإنفاق يخضع لجدواها الاقتصادية والاجتماعية.
وبيّن أن هذه المقاربة تسمح بتحويل الموارد نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
وأكد أن ترشيد الإنفاق العمومي يندرج ضمن مسعى رفع كفاءة السياسة المالية.
وأشار المتحدث ذاته، إلى أن التحكم في النفقات يشكل عاملاً أساسياً في تقليص العجز وضمان التوازنات الكبرى.
الدين الداخلي كأداة تمويل واستثمار
وبخصوص ضمانات الوفاء بالدين الداخلي المستحق على الخزينة العمومية دون اللجوء إلى التمويل غير التقليدي، أوضح بو الزرد أن الدين الداخلي يعد أداة تمويلية حيوية للدولة.
وأشار إلى أن هذا الدين يوفر رأس المال اللازم لتمويل المشاريع الاستثمارية الكبرى.
وأضاف أن الدين الداخلي يمكن أن يشكل مؤشراً تسعيرياً مرجعياً للأدوات المالية الأخرى مثل سندات الشركات والقروض البنكية.
وأكد أنه يعد خياراً استثمارياً آمناً وذا سيولة عالية للمواطنين والمؤسسات المالية.
وأوضح أن ذلك يشجع على الادخار ويعزز تعبئة الموارد الداخلية.
تقليص الاعتماد على الخارج وضمان السداد
وأوضح الوزير أن الدين الداخلي يساهم في تقليص الاعتماد على الدين الخارجي لكونه يتم بالعملة المحلية ومن مصادر داخلية.
وأشار إلى أن ذلك يقلل من مخاطر سعر الصرف ويعزز استقلالية القرار الاقتصادي الوطني.
وبيّن أن بنية الدين الداخلي تتميز بآجال استحقاق تمتد إلى غاية سنة 2048.
وأوضح أن “التسديد يتم عبر سنوات وليس دفعة واحدة، بما يخفف الضغط على الخزينة.
وأكد أن عمليات السداد تتم أساساً عبر إصدارات سوق قيم الخزينة.
بدائل التمويل وتنويع الأدوات
وأشار بو الزرد إلى “أن سوق قيم الخزينة يتيح تسديد الدين المستحق خلال السنة دون اللجوء إلى بدائل أخرى”.
وأوضح أن هذا السوق يوفر كذلك تمويلاً سريعاً لخزينة الدولة عند الحاجة.
وبخصوص التمويل غير التقليدي، ذكّر بأنه اعتمد خلال الفترة 2017-2019 بموجب القانون رقم 17-10.
وأضاف أنه تقرر تجميد العمل بهذه الآلية في منتصف سنة 2019.
وأكد أن هذا القرار يندرج ضمن الحفاظ على الانضباط النقدي.
الصكوك السيادية وتسبيقات بنك الجزائر
وأوضح الوزير أن وزارة المالية تعمل على تنويع مصادر التمويل، من بينها تفعيل الصكوك السيادية بشفافية وجاذبية للمستثمرين.
وأشار إلى أن قانون المالية لسنة 2025 أجاز إصدار الصكوك السيادية عبر المديرية العامة للخزينة والمحاسبة.
وبيّن أن هذه الأداة تهدف إلى تمويل المشاريع العمومية والبنى التحتية وفق صيغ متوافقة مع الشريعة الإسلامية.
وأضاف أن من بين الآليات المعتمدة أيضاً تسبيقات بنك الجزائر وفق إطار تعاقدي مضبوط.
وأكد أن هذه التسبيقات تخضع لقيود زمنية ونسب محددة للحد من مخاطر التضخم.
إدارة الدين والسياق الاقتصادي العام
وأكد بو الزرد أن وزارة المالية تسعى إلى إدارة الدين بفعالية عبر استراتيجيات مدروسة وتقييم جدوى المشاريع الممولة.
وأشار إلى أهمية ضمان مساهمة هذه المشاريع في تحقيق النمو وتوليد إيرادات كافية لخدمة الدين.
ولفت إلى تعزيز التعاون مع المؤسسات المالية المحلية والدولية للحصول على الدعم الفني.
وفي سياق ذي صلة، أشار تقرير للديوان الوطني للإحصائيات إلى تسجيل عجز في الميزان التجاري خلال النصف الأول من 2025.
الجدير بالذكر أن هذا العجز، المقدر بـ711.5 مليار دينار، جاء بعد أربع سنوات من الفوائض، في ظل تراجع الصادرات مقارنة بالسنوات السابقة المدعومة بارتفاع أسعار النفط والغاز.
بالمقابل واجه مشروع قانون المالية لسنة 2026 قبل المصادقة عليه موجة من الانتقادات الحادة داخل قبة البرلمان الجزائري، بعد أن قدّر العجز المالي بنسبة غير مسبوقة بلغت 54% من إجمالي النفقات، وهو ما وصفه عدد من النواب بـ”العجز التاريخي”. حاصة وأن ذلك جاء في وقت تراهن فيه الحكومة على الاستدانة الداخلية لتمويله، وسط تقلبات مستمرة في أسعار المحروقات التي تمثل المورد الرئيسي للخزينة العمومية.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين