لم تكن فلسطين، في وعي الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي، مجرّد قضية جغرافية بعيدة عن الجزائر، ولا شأنًا عربيًا عابرًا في زمن التمزّق، بل كانت جوهرًا من جواهر الوعي الإسلامي، واختبارًا أخلاقيًا لضمير الأمة، ومرآةً كاشفة لصدق انتمائها الحضاري؛ ولذلك، لم يتعامل معها بوصفها حدثًا سياسيًا مؤقّتًا، بل باعتبارها معركة وجود بين مشروعين: مشروع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، ومشروع الأمّة في حفظ هويتها وكرامتها.
لقد أدرك الإبراهيمي، مبكرًا، أن الخطر الصّهيوني لا ينفصل عن المنظومة الاستعمارية الغربية، وأنّ فلسطين ليست إلّا حلقة في سلسلة استهداف العالم الإسلامي، ثقافيًا وروحيًا قبل أن يكون عسكريًا، ومن هذا الوعي العميق، انبثق خطابه الإصلاحي الذي جعل من نصرة فلسطين واجبًا دينيًا وفكريًا وأخلاقيًا.
فلسطين في خطاب الإبراهيمي: من الوجدان إلى الوعي
في مقالاته وخطبه وبياناته، لم يتناول الإبراهيمي فلسطين بلغة الشّكوى والعاطفة المجردة، بل بلغة التحليل الحضاري. كان يرى أنّ الهزيمة الحقيقية ليست في فقدان الأرض فحسب، بل في فقدان الوعي الذي يحمي الأرض؛ ولذلك، ركّز على كشف جذور المأساة: الاستبداد، والجهل، والتبعية، وتمزيق وحدة الأمّة.
كان خطابه موجَّهًا إلى الإنسان المسلم قبل أن يكون موجَّهًا إلى السّياسي، لأنّه كان مقتنعًا بأنّ تحرير الأرض يبدأ بتحرير العقل.
ففلسطين، في نظره، لا تُستردّ بالخطب الحماسية وحدها، بل ببناء إنسان واعٍ، متّصل بهويته، مدرك لسنن التّاريخ، قادر على المقاومة الحضارية قبل المقاومة المسلّحة.
الجهاد الفكري: مقاومة بلا بنادق
مارس الإبراهيمي ما يمكن تسميّته بـ(الجهاد الفكري)، وهو جهاد يستهدف بنية الوعي قبل خطوط المواجهة، تمثّل هذا الجهاد في عدّة مستويات:
أولًا- تفكيك الخطاب الاستعماري
عمل الإبراهيمي على فضح الأساطير التي روّجها الاستعمار والصهيونية، مثل (أرض بلا شعب) و(الرسالة الحضارية للغرب)، وبيّن أنّها أقنعة أخلاقية لمشروع استيطاني عنصري، كان يفكّك هذه السّرديات بلغة عقليّة هادئة، تستند إلى التّاريخ والواقع والشّرع.
ثانيًا- تحصين الهويّة الثّقافية
رأى الإبراهيمي أنّ الاستعمار لا يبدأ باحتلال الأرض، بل باحتلال اللّغة والذّاكرة والقيم؛ لذلك، جعل من الدّفاع عن العربية والإسلام جزءًا من الدّفاع عن فلسطين، فالأمّة التي تفقد لغتها، تفقد بوصلتها، والأمّة التي تفقد تاريخها، تُهزم دون قتال.
ثالثًا- بناء التّضامن الإسلامي
لم يحصر الإبراهيمي القضية الفلسطينية في بعدها المحلّي، بل جعلها قضية الأمة كلها، فكان يخاطب مسلمي الجزائر والمغرب والمشرق بلهجة واحدة، محذّرًا من منطق التّجزئة، ومؤكّدًا أنّ سقوط فلسطين يعني انكسار الجدار الأخير أمام الهيمنة الشّاملة.
رابعًا- تربية الضمير المقاوم
لم يكن هدفه تعبئة الجماهير مؤقّتًا، بل صناعة ضمير دائم، ضمير لا يساوم، ولا يتكيّف مع الظّلم، ولا يبرّر الهزيمة، ولهذا كان يربط بين فلسطين وقيم العدل والحريّة والكرامة، بوصفها قيمًا غير قابلة للتجزئة.
من الجزائر إلى القدس: وحدة المعركة والمصير
تتجلّى عبقرية الإبراهيمي في ربطه بين معركة الجزائر ضدّ الاستعمار الفرنسي، ومعركة فلسطين ضدّ الاستعمار الصّهيوني، كان يرى أنّ العدو واحد، وإن اختلفت الأسماء، وأنّ آليات الهيمنة واحدة: تفكيك المجتمع، تشويه الهوية، صناعة النخب التّابعة، وتزييف الوعي.
ومن هذا المنطلق، لم يكن دفاعه عن فلسطين منفصلًا عن مشروعه الإصلاحي في الجزائر، بل كان امتدادًا طبيعيًا له، فكلّ مدرسة أسّسها، وكل مقال كتبه، وكل خطبة ألقاها، كانت لبنة في جدار المقاومة الحضارية للأمّة كلّها.
راهنية خطاب الإبراهيمي اليوم
في زمن تتكاثر فيه حملات التّطبيع، وتتراجع فيه البوصلة الأخلاقية، يعود خطاب الإبراهيمي أكثر راهنية من أيّ وقت مضى، فهو يذكّرنا بأنّ أخطر أشكال الهزيمة ليست عسكرية، بل فكرية؛ وأنّ الاحتلال لا ينتصر حين يدخل المدن، بل حين يسكن العقول.
لقد علّمنا الإبراهيمي أنّ فلسطين لا تحتاج فقط إلى من يحمل السّلاح، بل إلى من يحمل الوعي، وإلى من يحرس الذّاكرة، وإلى من يقاوم التّطبيع الثقافي كما يقاوم العدوان العسكري.
لم يكن محمّد البشير الإبراهيمي مجرّد عالم دين، ولا مجرّد مصلح اجتماعي، بل كان مهندس وعي حضاري، فهم مبكرًّا أنّ معركة فلسطين هي معركة على معنى الإنسان، وعلى مستقبل الأمّة، وعلى حقّها في أن تكون ذاتًا لا تابعًا.
لقد جعل من القلم خندقًا، ومن الكلمة سلاحًا، ومن الوّعي حصنًا، وفي زمن الضّجيج والارتباك، يبقى صوته شاهدًا على أنّ الجهاد الفكري ليس خيارًا ثانويًا، بل هو شرط كل نصر حقيقي.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين