ليس الخامس من جويلية يوماً عادياً في رزنامة الزّمن الجزائري، وليس تاريخاً عابراً يُقرأ في صفحات الكتب ثمّ يُطوى؛ إنّه اليوم الذي انتصرت فيه الإرادة على الحديد والنّار، وتحوّلت فيه دماء الشّهداء إلى شمس أشرقت على وطن استعاد اسمه وصوته وكرامته؛ إنّه اليوم الذي خرجت فيه الجزائر من ليل الاستعمار الطّويل إلى فجر الحرّية، ومن قيود الاحتلال إلى رحابة السّيادة والاستقلال.
في مثل هذا اليوم من سنة 1962، كانت الجزائر كلّها تنبض بقلب واحد، وتتنفّس أنفاساً جديدة بعد مائة واثنتين وثلاثين سنة من الاحتلال الفرنسي الذي حاول أن يقتلع الأرض من جذورها، وأن يمحوّ هوية شعب عريق ضارب في أعماق التّاريخ، غير أنّ الجزائر، التي أنجبت الرّجال والنّساء، والتي حفظت في تربتها سرّ البقاء، أبت إلّا أن تنهض من بين الرّكام، وأن تكتب بدم أبنائها ملحمة التّحرير الكبرى.
لقد كان الاستعمار الفرنسي أكثر من احتلال عسكري؛ كان مشروعاً لطمس الإنسان الجزائري، ومصادرة ذاكرته، وتجريده من لغته ودينه وتاريخه، غير أنّ الشّعوب الحيّة لا تموت، والأمم التي تسكنها روح المقاومة لا تستسلم، ومن هنا بدأت الحكاية الكبرى؛ حكاية شعب آمن بأنّ الحرية لا تُمنح وإنّما تُنتزع، وأنّ الوطن لا يُشترى وإنّما يُفتدى بالأرواح.
وفي الأول من نوفمبر سنة 1954، دوّى صوت الثّورة المباركة، كالرّعد في سماء الاستعمار، معلناً ميلاد فجر جديد، خرج رجال الجزائر من الجبال والقرى والسّهول والمدن، يحملون في صدورهم إيماناً لا يتزعزع، وفي أيديهم بنادق متواضعة، لكنّهم كانوا يمتلكون سلاحاً أعظم من كل الأسلحة: حبّ الوطن.
ثماني سنوات من الكفاح المرير، وثماني سنوات من الجوع والدّموع والدّماء، وثماني سنوات من البطولات التي لا تزال صفحات التّاريخ عاجزة عن الإحاطة بها، كانت الجزائر خلالها مدرسةً في التضحية، وكانت جبال الأوراس والونشريس والقبائل والأطلس الصّحراوي منابر للشّهادة والبطولة؛ وكانت الأمّهات يزففن أبناءهن إلى ساحات الجهاد كما تزفّ العرائس إلى أفراحهن، وكان الأطفال يكبرون على صوت الرّصاص وأحلام الحرّية.
كم من شهيد ارتقى وهو يردّد اسم الجزائر! وكم من أمٍّ ودّعت فلذة كبدها وهي تخفي دموعها حتى لا تضعف عزيمته! وكم من قرية أُحرقت، ومن بيت هُدم، ومن أسرة شُرّدت، حتى يبقى الوطن واقفاً على قدميه، مرفوع الرّأس، عزيز الجانب!
ولذلك فإنّ الخامس من جويلية ليس مجرّد ذكرى سياسية، بل هو خلاصة قرن ونيّف من المعاناة، وتاجٌ من نور صنعته قوافل الشّهداء. إنّه يوم الوفاء لأولئك الذين كتبوا تاريخ الجزائر بمداد من دمائهم الزكيّة، وتركوا للأجيال وصيّةً خالدة مفادها أنّ الأوطان لا تُبنى إلّا بالتّضحيات.
إنّنا حين نحتفل بعيد الاستقلال، فإنّنا لا نحتفل بانتهاء الاحتلال فحسب، بل نحتفل بانتصار الإنسان الجزائري على كل محاولات الإلغاء والاقتلاع، نحتفل بعودة العلم الوطني ليرفرف عالياً فوق أرضه، وبعودة الأذان ليتردّد بحرّية في المساجد، وبعودة اللّغة والهوية والتّاريخ إلى أصحابها الشّرعيين.
ولعلّ أجمل ما في هذا اليوم أنّه يجمع الجزائريين حول ذاكرة واحدة، ووجدان واحد، وإحساس عميق بالانتماء إلى وطن صُنع بالدّماء الزكيّة؛ ففي كل بيت جزائري حكاية شهيد، أو قصّة مجاهد، أو ذكرى مقاوم، ولذلك فإنّ الاستقلال ليس حدثاً يخص جيلاً بعينه، بل هو ميراث روحي تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل.
إنّ الأمم العظيمة هي تلك التي تحفظ ذاكرتها وتكرّم شهداءها، لأنّ من ينسى تضحيات الماضي يعجز عن صناعة المستقبل. ومن هنا تكتسب ذكرى الخامس من جويلية قيمتها الكبرى؛ فهي ليست وقفة مع التاريخ فقط، بل هي أيضاً دعوة إلى استلهام معاني التّضحية والوحدة والعمل والبناء.
لقد انتصر جيل الثّورة بالسّلاح والإيمان، أما جيل اليوم فإنّ معركته هي معركة التّنمية والعلم والمعرفة وصناعة المستقبل؛ فالاستقلال ليس محطّة نهائية، وإنّما مسؤولية متجدّدة، وأمانة ثقيلة في أعناق الأبناء والأحفاد، إنّ حماية الجزائر وصيانة وحدتها وتحصين مكاسبها هي الشّكل الأرقى للوفاء للشّهداء الذين لم يبخلوا بأرواحهم من أجل أن نحيا أحراراً.
وفي كلّ عام، حين يطلّ الخامس من جويلية، تتعانق في الذّاكرة صور الشّهداء مع ألوان العلم الوطني، وتعود أصوات المجاهدين كأنّها قادمة من أعماق الجبال، تذكّرنا بأنّ الجزائر لم تكن هبة من التاريخ، وإنّما كانت ثمرة تضحيات جسام، وها هي اليوم تقف شامخة، مثل نخلة ضاربة الجذور في الأرض، لا تنحني للعواصف ولا تنكسر أمام المحن.
سلام على أرواح الشّهداء الذين جعلوا من أجسادهم جسوراً عبرت عليها الجزائر نحو الحرية، سلام على المجاهدين الذين صاغوا ببطولاتهم ملحمة من أعظم ملاحم التحرّر في التّاريخ المعاصر.
وسلام على الجزائر، وهي تحتفي بعيد استقلالها المجيد، رافعة راية الوفاء والعزّة والكرامة.
إنّ الخامس من جويلية ليس يوماً من الماضي، بل نبضٌ يسري في وجدان الأمّة، ورسالة تتجدّد مع كل شروق شمس، تقول للأجيال: هنا شعبٌ رفض الذل فانتصر، وهنا وطنٌ سقاه أبناؤه بالدّم فازدهر، وهنا الجزائر… أرض المليون ونصف المليون شهيد، التي كتبت بدمائها أنّ الحرية قدر الشّعوب العظيمة، وأنّ الوطن إذا سكن القلوب صار أغلى من الحياة نفسها.
سلام.. وسلام.. وألف سلام.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين