تحل الذكرى السابعة للحراك الشعبي الذي هز البلاد وأعاد صياغة الوعي الوطني، مؤكدًا قوة إرادة الشعب في المطالبة بالتغيير والديمقراطية، وبات تماسكه ووحدته السلاح الذي يردع كل من يعبث بالوطن.
الحراك الشعبي: إرادة الشعب وصدى التغيير
في صباح الـ22 من فيفري 2019، خرج آلاف الجزائريين إلى شوارع العاصمة ومختلف المدن الكبرى، حاملين شعارات الحرية والكرامة، مرددين هتافات سلمية رفعت صوت الشعب فوق كل الأصوات.
وقد شهدت الشوارع لوحة شعبية استثنائية: شباب وكبار، رجال ونساء، يجتمعون على اختلاف مشاربهم، متحدين في رسالة واحدة، هي المطالبة بإصلاحات حقيقية وإنهاء مظاهر الفساد ورفض العهدة الخامسة للرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.
ومنذ انطلاق الحراك، تحولت المسيرات الأسبوعية إلى مشهد جماهيري متكرر، يجمع بين السلمية والتنظيم الشعبي.
وكانت كل مدينة تضيف فصلًا جديدًا إلى قصة الحراك، حيث شكلت المسيرات منصة للتعبير عن الطموحات والحقوق المشروعة، مع الالتزام بالبعد السلمي والوعي المدني.
خلفية الحراك والمطالب الأساسية
صعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري. فقد أعلن منذ تظاهراته الأولى عن سقف عالٍ من المطالب الديمقراطية، بينها الانتقال الديمقراطي، وتمدين الحكم، واستقلالية القضاء والصحافة، ومحاربة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وانطلقت شرارة الحراك جزئيًا كرد فعل على ولاية الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الطويلة، وما رافقها من محاولات العهدة الخامسة، ما دفع المواطنين إلى الخروج سلمياً للمطالبة بالتغيير الجذري ووضع حد للتسيب السياسي.
وقد حقق الحراك مكاسب هامة، بدءًا من إنقاذ البلاد من العهدة الخامسة، وضخ ديناميكية جديدة في المجتمع، وإعادة ربط الجامعة والشارع بالممارسة السياسية، وبروز جيل جديد من النخب المدنية. ومع ذلك، تبقى المطالب المركزية المرتبطة بالتغيير السياسي والديمقراطية بعيدة نسبياً، وتحتاج إلى مسار طويل من النضال المستمر للحفاظ على الثورة السلمية.
وفي هذه الذكرى السنوية، نستذكر تأثير الحراك على المشهد السياسي والاجتماعي. فقد أحدث الحراك تحولات كبيرة، منها الدعوة إلى انتخابات شفافة وإعادة النظر في السياسات الحكومية، وأسهم في تعزيز النقاش حول مستقبل الجزائر، واضطر الأطراف الرسمية إلى الاستجابة جزئيًا لمطالب الشعب.
وعلى الصعيد الشعبي، شكل الحراك مساحة لتجديد الشعور بالوحدة والانتماء الوطني، وامتد تأثيره ليشمل مختلف أركان المجتمع، مؤكدًا قيم الحوار والمصالحة والوحدة الوطنية، ونبه إلى أهمية مواجهة التطرف والكراهية، وترسيخ احترام الدستور وقوانين الجمهورية في جميع مؤسسات البلاد.
فالجدير بالذكر أن الاحتفال بهذه الذكرى يمثل فرصة للتأمل في الإنجازات التي تحققت منذ 2019، واستلهام الدروس لمواصلة مسيرة التغيير بروح سلمية ومسؤولة. كما تعكس هذه الذكرى الدور الكبير للشباب في قيادة التغيير، حيث كانت مشاركتهم حيوية وفاعلة، مؤكدين أن التغيير ليس مطلبًا سياسيًا فقط، بل خيارًا ثقافيًا واجتماعيًا يعكس وعي المجتمع بأهمية الديمقراطية والمواطنة.
وعقب هذه التحولات، بادر الرئيس عبد المجيد تبون، في أول خطاب له بعد أدائه اليمين الدستورية ديسمبر 2019، إلى التأكيد على التزامه بالاستجابة لمطالب الحراك الشعبي المشروعة وفق الدستور، مشيراً إلى أن نجاح المسار الديمقراطي آنذاك كان مرهونًا بالحراك، داعياً الجزائريين لتجاوز الخلافات والتفرقة والانطلاق نحو بناء الدولة وإرساء الاستقرار في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدولية.
ليقرر بعدها تخليدا للذكرى الأولى للحراك الشعبي المبارك، إعلان يوم 22 فيفري من كل سنة “يوما وطنيا للأخوة والتلاحم بين الشعب وجيشه من أجل الديمقراطية”
وفي هذا الشأن، كتب الإعلامي والمعلق الرياضي حفيظ دراجي: “سنبقى بالمرصاد لكل من يعبث بالوطن، وفي الذكرى السابعة للحراك الشعبي نستحضر محطة فارقة في تاريخ الجزائر، حين خرج المواطنون بالملايين مطالبين بالتغيير وبجزائر يسودها القانون والعدالة.”
وأضاف: “لقد شكّل حراك فبراير 2019 لحظة وعي جماعي أعادت للشعب ثقته في نفسه، وأثبتت قدرة الجزائريين على التعبير الحضاري عن تطلعاتهم، مؤكدة أن حب الوطن يجمع ولا يفرّق.”
بعد سبع سنوات على انطلاق الحراك، ما تزال عدة رهانات مفتوحة، من بينها استكمال مسار الإصلاح السياسي، إلى جانب مواجهة ظواهر مقلقة تفاقمت في المجتمع، أبرزها انتشار المخدرات والجريمة المنظمة، بما يفرض مقاربة شاملة تحمي الشباب وتحصّن الاستقرار الاجتماعي.
وفي سياق تقييم التحديات المطروحة، اعتبرت حركة مجتمع السلم أن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في استحضار لحظة الحراك، بل في كيفية تحويلها إلى مسار سياسي مستدام، يحفظ الحريات ويؤسس لتوافق وطني حقيقي حول قواعد العمل السياسي، بما يفضي إلى دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في سياساتها، ومعبرة عن تطلعات شعبها.
وختامًا، يبقى الحراك الشعبي علامة فارقة في تاريخ الجزائر الحديث، ودليلاً على قدرة الشعب على التغيير السلمي وتحقيق أهدافه بالتوحد والإصرار.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين