أبرز تقرير نشره موقع “بيزنس إنسايدر آفريكا” أن الجزائر مرشحة لتعزيز موقعها كمحور رئيسي لأمن الطاقة الأوروبي، مع دخول مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء مرحلة جديدة من التنفيذ، في ظل سعي أوروبا إلى تنويع مصادر إمداداتها الطاقوية والحد من الاعتماد على الغاز الروسي.
ويأتي هذا التطور بالتزامن مع انطلاق أشغال إنجاز الشطر الجزائري من المشروع بمنطقة أولف بولاية أدرار، بعد مصادقة الجزائر والنيجر ونيجيريا على التقرير النهائي لدراسة الجدوى خلال أشغال الاجتماع الوزاري الخامس للجنة التوجيهية للمشروع، ما يمثل خطوة حاسمة نحو تجسيد أحد أكبر مشاريع البنية التحتية الطاقوية في القارة الإفريقية.
ويهدف أنبوب الغاز العابر للصحراء إلى نقل الغاز الطبيعي من نيجيريا عبر النيجر وصولا إلى الجزائر، قبل إعادة توجيهه نحو الأسواق الأوروبية عبر شبكة الأنابيب الجزائرية المرتبطة مباشرة بالضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط.
وُنتظر أن تصل طاقة نقل المشروع إلى نحو 30 مليار متر مكعب سنويا، ما يجعله أحد أهم المشاريع القادرة على إعادة تشكيل خريطة تدفقات الغاز بين إفريقيا وأوروبا خلال السنوات المقبلة.
أهمية متزايدة في ظل التحول الأوروبي
تكتسي هذه الكميات أهمية خاصة بالنسبة للاتحاد الأوروبي الذي يواصل البحث عن مصادر بديلة للغاز الروسي منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.
وتسارع بروكسل حاليا تنفيذ خطتها الرامية إلى إنهاء واردات الغاز الروسي تدريجيا، حيث تعتزم وقف واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي بحلول نهاية عام 2026، وإنهاء واردات الغاز المنقول عبر الأنابيب بحلول سبتمبر 2027.
وفي هذا السياق، تبرز الجزائر كواحدة من أهم الشركاء الطاقويين لأوروبا، إذ توفر حاليا ما يقارب 12 بالمائة من واردات الغاز الخاصة بالاتحاد الأوروبي، فيما ينتظر أن يعزز مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء هذه المكانة بشكل أكبر من خلال تحويل الجزائر إلى بوابة رئيسية لعبور الغاز الإفريقي نحو الأسواق الأوروبية.
مشروع عملاق يربط إفريقيا بأوروبا
يمتد الأنبوب على مسافة تصل إلى 4128 كيلومترا، ليربط الحقول الغازية النيجيرية الضخمة بالأسواق الأوروبية عبر الأراضي النيجرية والجزائرية.
ويصنف المشروع ضمن أكبر مشاريع الطاقة المنتظرة في إفريقيا، سواء من حيث الحجم أو القدرة على التأثير في أسواق الغاز الدولية.
وسيستفيد المشروع من البنية التحتية الطاقوية المتطورة التي تمتلكها الجزائر، وعلى رأسها مركز حاسي الرمل، أحد أكبر مراكز تجميع ومعالجة الغاز في القارة الإفريقية، والذي يمثل نقطة محورية في شبكة النقل والتصدير الجزائرية.
كما سيسمح المشروع بنقل وتثمين كميات إضافية من الغاز الطبيعي المنتج في الجزائر، خاصة من الأحواض الغازية الحالية والمكتشفة حديثا، وفي مقدمتها حوض أهنات، بما يعزز قدرات البلاد التصديرية ويمنحها مرونة أكبر في تلبية الطلب الأوروبي المتزايد.
الجزائر.. الضامن الاستراتيجي للمشروع
الجزائر تمثل الحلقة الأكثر استقرارا في المشروع الثلاثي، في وقت تواجه فيه بعض المناطق الواقعة على مسار الأنبوب في نيجيريا والنيجر تحديات أمنية مرتبطة بنشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود.
ويمنح الاستقرار الأمني والمؤسساتي الذي تتمتع به الجزائر المشروع بعدا استراتيجيا إضافيا، خاصة بالنسبة للمستثمرين الدوليين والشركاء الأوروبيين الذين يبحثون عن إمدادات مستقرة وآمنة بعيدة عن الاضطرابات الجيوسياسية.
كما تمتلك الجزائر خبرة طويلة في حماية المنشآت الطاقوية الحيوية وتأمين شبكات النقل الكبرى داخل البيئات الصحراوية المعقدة، وهو عامل يعزز من فرص نجاح المشروع واستدامته على المدى الطويل.
ويرى مختصون أن وفرة الغاز في نيجيريا تمثل قاعدة المشروع، غير أن الاستقرار السياسي والأمني الذي توفره الجزائر هو العنصر الذي يمنح هذا المشروع قابلية التنفيذ والثقة المطلوبة لتحويله إلى واقع اقتصادي واستراتيجي.
مشاريع الطاقة العابرة للقارات
لا يقتصر الدور الجزائري على الجانب الأمني فقط، بل يستند كذلك إلى خبرة تقنية وهندسية تراكمت على مدار عقود في مجال تطوير وإدارة مشاريع الطاقة العابرة للحدود.
فقد نجحت الجزائر في تشغيل خطوط استراتيجية كبرى على غرار خط “ترانسميد” الرابط بين الجزائر وإيطاليا عبر تونس، وخط “ميدغاز” الذي يربط الجزائر مباشرة بإسبانيا، وهي مشاريع أثبتت قدرة الجزائر على ضمان تدفق الإمدادات الطاقوية نحو أوروبا بشكل مستقر ومستمر.
كما تمتلك شركة سوناطراك خبرات متقدمة في تصميم وإنجاز وصيانة شبكات الأنابيب العملاقة ومحطات الضغط والمنشآت الغازية، فضلاً عن خبرتها الرائدة عالمياً في مجال إسالة الغاز الطبيعي وتصديره.
وتوفر هذه المنظومة المتكاملة قاعدة جاهزة لاستقبال الغاز النيجيري ومعالجته وضغطه وإعادة توجيهه نحو الأسواق الأوروبية بأعلى مستويات الكفاءة.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين