انتقل الجدل داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) من نظام البطولات أو قوانين اللعبة إلى سؤال أكثر حساسية: هل يمكن تحويل كأس العالم إلى أصل استثماري يجذب صناديق الاستثمار ورؤوس الأموال الخاصة؟
هذا السؤال فرض نفسه بقوة بعد أن طرح رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، مشروعا يهدف إلى إعادة هيكلة الأنشطة التجارية للاتحاد الدولي عبر إنشاء شركة مستقلة تتولى إدارة حقوق كأس العالم وبقية الأصول التجارية، مع فتح الباب أمام مستثمرين من خارج كرة القدم لامتلاك حصة فيها.
ورغم تأكيد الفيفا أن المشروع لن يمس استقلالية قراراته الرياضية، فإن الخطة أثارت موجة اعتراض غير مسبوقة، خصوصا داخل أوروبا، حيث اعتبرت بداية لتحول تاريخي قد يعيد رسم العلاقة بين المال وكرة القدم.
مشروع بقيمة 20 مليار دولار
وفق المقترح، يسعى الفيفا إلى إنشاء شركة تجارية تحمل اسم “FIFA Forward Enterprise”، تضم جميع الأنشطة التي تدر الإيرادات، وفي مقدمتها بطولة كأس العالم، أكثر الأحداث الرياضية مشاهدة على مستوى العالم، إضافة إلى حقوق البث التلفزيوني والرعاية التجارية والتسويق والتراخيص وبيع التذاكر.
وسيحتفظ الفيفا بنسبة 80 بالمئة من ملكية الشركة، بينما تُطرح نسبة تصل إلى 20 بالمئة أمام مستثمرين من القطاع الخاص.
وتشير التقديرات، التي أُعدت بالتعاون مع بنك جيه. بي. مورغان، إلى أن قيمة الشركة قد تصل إلى نحو 20 مليار دولار، ما يجعلها واحدة من أكبر الكيانات الرياضية التجارية في العالم.
ويرى مؤيدو المشروع أن هذه الخطوة ستمنح الفيفا موارد مالية إضافية تتيح له توسيع برامج تطوير كرة القدم وتمويل الاتحادات الوطنية بصورة أكبر، خاصة في الدول النامية.
المال مقابل التأييد
بالإضافة إلى إعادة الهيكلة التجارية، تضمن المشروع حوافز مالية ضخمة للاتحادات الوطنية الأعضاء، في محاولة لحشد التأييد قبل التصويت.
وبحسب الخطة، سيحصل كل اتحاد يوافق على المشروع على 40 مليون دولار خلال دورة 2027-2030، نصفها يصرف مباشرة، فيما يوزع النصف الآخر عبر برامج التطوير.
كما ينص المقترح على رفع قيمة هذا الدعم تدريجيا في الدورات اللاحقة.
في المقابل، ستكتفي الاتحادات التي ترفض المشروع بالحصول على التمويل التقليدي، وهو ما يعني خسارة جزء كبير من الدعم الإضافي الذي تعرضه إدارة الفيفا.
هذا الربط بين التمويل والموافقة دفع منتقدين إلى وصف المقترح بأنه محاولة لاستمالة أصوات الاتحادات الصغيرة عبر الإغراءات المالية.
لماذا يرفض اليويفا؟
يقود الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) جبهة الرافضين للمشروع، معتبرا أن القضية تتجاوز مجرد إعادة تنظيم الأنشطة التجارية.
ويخشى معارضو الخطة أن يؤدي دخول المستثمرين إلى زيادة الضغوط لتحقيق الأرباح، بما قد ينعكس مستقبلا على طريقة إدارة البطولات، أو جدول المباريات، أو حتى القرارات التجارية المرتبطة بكأس العالم.
كما ينتقد اليويفا غياب المشاورات المسبقة مع الاتحادات القارية والأندية والدوريات الكبرى، معتبرا أن مشروعا بهذا الحجم كان يفترض أن يسبقه نقاش واسع داخل منظومة كرة القدم.
ويضيف الرافضون أن كأس العالم ليس مجرد منتج تجاري، بل حدث رياضي عالمي يمثل إرثا مشتركا للجماهير، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره أصلا ماليا قابلا للبيع أو الاستثمار.
هل يفقد الفيفا السيطرة؟
من جهته، يؤكد إنفانتينو أن المخاوف مبالغ فيها، مشددا على أن الفيفا سيحتفظ بالأغلبية المطلقة في الشركة الجديدة، ولن يتخلى عن صلاحياته المتعلقة بإدارة البطولات أو اتخاذ القرارات الرياضية.
ويقول إن الهدف من المشروع هو تعظيم العوائد التجارية، بما يسمح بزيادة الاستثمارات في تطوير كرة القدم حول العالم، دون المساس باستقلالية الاتحاد الدولي.
لكن منتقدي الخطة يرون أن امتلاك المستثمرين لحصة مؤثرة في الأنشطة التجارية قد يمنحهم مع مرور الوقت نفوذا غير مباشر على القرارات الاقتصادية والاستراتيجية للفيفا، حتى وإن بقيت السلطة الإدارية بيد الاتحاد.
معركة حاسمة في سبتمبر
حدد الفيفا يوم 19 سبتمبر المقبل موعدا نهائيا أمام الاتحادات الوطنية لاتخاذ موقفها من المشروع، إذ يتطلب اعتماده موافقة أغلبية بسيطة من الاتحادات الأعضاء، إلى جانب موافقة مجلس الفيفا.
وتمثل هذه المهلة محطة مفصلية في تاريخ الاتحاد الدولي، إذ سيحدد التصويت ما إذا كانت كرة القدم ستتجه نحو نموذج استثماري جديد، أم أن الضغوط التي تقودها الاتحادات الكبرى ستنجح في وقف المشروع.
وبين وعود بموارد مالية غير مسبوقة، وتحذيرات من المساس بأحد أهم رموز اللعبة، تبدو معركة خصخصة الأنشطة التجارية للفيفا مرشحة لأن تكون واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ كرة القدم الحديث.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين