دخلت الأزمة الإقليمية مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الضربات الجوية المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة والسعودية فجر الأربعاء ضد فصائل عراقية متحالفة مع إيران، جرت بالتنسيق مع الحكومة العراقية، في وقت نفت فيه بغداد هذه الرواية بإدانتها الهجوم واعتباره انتهاكا لسيادة البلاد.

وقال ترامب إن الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق تمثل “سرطان في العالم”، مشيرا إلى أن إدارته تدرس اتخاذ إجراءات إضافية ضد ما وصفهم بوكلاء طهران.

وشنت مقاتلات أمريكية وسعودية، ليل الثلاثاء إلى الأربعاء، غارات استهدفت مواقع لفصائل عراقية مسلحة في محافظات البصرة وواسط وديالى وكربلاء وبابل وبغداد ونينوى، في أول مشاركة عسكرية سعودية مباشرة داخل العراق منذ حرب الخليج عام 1991.

الرياض وواشنطن: الضربات دفاع عن النفس

وأكدت وزارة الدفاع السعودية أن العملية العسكرية جاءت ردا على هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت نفطية سعودية خلال الأيام الماضية، ونسبتها إلى فصائل عراقية موالية لإيران.

وأضافت الوزارة، في بيان، أن الضربات استندت إلى “حق الدفاع عن النفس الذي يكفله القانون الدولي وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة”، مؤكدة أن المملكة “لا تسعى إلى التصعيد، لكنها سترد على أي عدوان تتعرض له”.

من جهتها، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن الضربات نُفذت بالتعاون مع القوات المسلحة السعودية، واستهدفت ما وصفته بـ”إرهابيين” مدعومين من إيران، متهمة الحرس الثوري الإيراني بتوجيههم لتنفيذ هجمات ضد القوات الأمريكية والبنية التحتية النفطية السعودية.

في غضون ذلك، أعلن “الحشد الشعبي” أن مقره الرئيسي في البصرة -الواقعة جنوب شرق العراق بالقرب من الحدود الإيرانية- تعرّض لغارة جوية فجر الأربعاء.

ونعى الحشد، في حصيلة غير نهائية، ما لا يقل عن 20 من عناصره، مشيراً إلى إصابة 32 آخرين بجروح. وأوضح أن الهجمات طالت مقارّ الهيئة في محافظات بغداد، واسط، نينوى، البصرة، كركوك، كربلاء، وديالى، مخلفةً أضراراً مادية متفاوتة في عدد من المقرات والآليات والمعدات العسكرية.

بغداد ترفض رواية التنسيق

في المقابل، أصدرت الرئاسة العراقية بيانا دانت فيه الغارات، معتبرة أنها تمثل “اعتداءً مرفوضا وانتهاكا صارخا لسيادة العراق واستهدافا لمؤسساته الأمنية الرسمية بما يتعارض مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”.

ويضع هذا الموقف الرسمي علامات استفهام حول تصريحات ترامب بشأن وجود تنسيق مسبق مع الحكومة العراقية، في ظل تمسك بغداد برفض أي عمليات عسكرية تنفذ على أراضيها دون موافقتها.

اجتماع أمني طارئ

وعلى خلفية التطورات، وجّه رئيس مجلس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة، علي الزيدي، بعقد اجتماع طارئ للمجلس الوزاري للأمن الوطني لبحث تداعيات القصف وتقييم الوضع الأمني، وفق بيان صادر عن مكتبه.

وجددت الرئاسة العراقية رفضها استخدام أراضي البلاد ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية، مؤكدة تمسك العراق بمبدأ حسن الجوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

كما دعت جميع الأطراف إلى احترام سيادة العراق والامتناع عن أي خطوات من شأنها زعزعة أمنه واستقراره، مشددة على ضرورة تغليب الحوار والدبلوماسية لتجنب اتساع دائرة التوتر في المنطقة.

كشف مصدر رفيع في مكتب رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي لشبكة “سي إن إن”، عن إرجاء زيارة الأخير إلى العاصمة السعودية الرياض، التي كانت مقررة الخميس، في أعقاب الضربات التي شنتها الولايات المتحدة والسعودية فجر الأربعاء على قوات الحشد الشعبي.

وأوضح المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن الزيارة “أُرجئت في ضوء أحداث اليوم”، مضيفاً أن الجانب العراقي طلب إعادة جدولتها.

مخاوف من اتساع المواجهة

وتأتي الضربات في ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ما يثير مخاوف من تحول الساحة العراقية إلى نقطة اشتباك مباشرة بين القوى الإقليمية والدولية، خاصة مع تبادل الاتهامات بشأن استهداف المصالح الأمريكية والمنشآت النفطية في المنطقة.

ويترقب مراقبون ردود فعل الفصائل العراقية وطهران، وسط تحذيرات من أن يؤدي التصعيد العسكري الأخير إلى توسيع رقعة التوتر في الشرق الأوسط وإدخال العراق في مرحلة أمنية أكثر تعقيدًا.