قبل 60 سنة (17 أكتوبر 1961) خرج أكثر من 30 ألف جزائري يتظاهرون بشكل سلمي في باريس تلبية لدعوة جبهة التحرير الوطني، بهدف التنديد بحظر التجوّل المفروض حصراً على الفرنسيين المسلمين، بالأخص الجزائريين، من قبل قائد شرطة باريس موريس بابون.
لكن سلمية الجزائريين قوبلت بوحشية رجال الشرطة والدرك، واستشهد في ذلك اليوم الحزين عشرات المتظاهرين، منهم من قضي نحبه رميا بالرصاص، ومنهم من ربطت يداه وألقي في نهر السين.
هذه الذكرى الأليمة تتوارثها الأجيال، جيلا بعد جيل، ضمن قصة الاستعمار التي تروي فصولها بالدماء والنار، استمرت 132 سنة.
رابح ساحيلي، هو أحد المشاركين الناجين في تظاهرة 17 أكتوبر 1961، يروي لوكالة الأنباء الفرنسية مشاهد الموت ووحشية رجال الشرطة والدرك الفرنسي.
بحزن شديد استرجع ساحيلي ذكرياته في ذلك اليوم الذي قتل فيه عشرات الجزائريين، في قمع وصفه الرئيس إيمانويل ماكرون بأنه “جرائم لا يمكن تبريرها”.
اعتقل رابح ساحيلي الذي وصل إلى باريس قبل 4 سنوات من أومون (شمال)، حيث استقر والداه في 1950 عندما وصلا من الجزائر، عند مدخل محطة المترو في ساحة النجمة في باريس. وكان قد بلغ للتو 19 عاما.
ويروي: “كان علينا أن نجتمع في ساحة النجمة لبدء تظاهرتنا السلمية بأمر واحد: لا ينبغي أن يحمل المناضلون أي أداة حادة”.
اعتقالات على “الوجوه”
وتم اختيار هذه الساحة الكبيرة من قبل جبهة التحرير الوطني كنقطة تجمع للمهاجرين القادمين من الضواحي، حيث تقطن الطبقة العاملة في غرب باريس مثل جونفيليي وأسنيير وناتير، كما خطط لتظاهرات في أماكن أخرى في العاصمة الفرنسية.
وقال ساحيلي “كنت مع أحد أقاربي عندما هاجمنا شرطيون، حاول حمايتي باعتباره أقوى مني، لكنه تلقى سيلا من الضربات بأعقاب المسدسات والهراوات، ما تسبب في كسر ساقه”.
سجن غابرييل غارسيا
وأضاف “تم اعتقال جميع الجزائريين الخارجين من محطة المترو.. كانت (اعتقالات بناء على السمات)”، موضحا أن “إيطاليين وإسبان وأمريكيين جنوبيين” اعتقلوا.
وفي تلك الأحداث سجن الأديب الكولومبي صاحب نوبل للآداب، عام 1982، غابرييل غارسيا ماركيز لمجرد تشابه ملامحه مع ملامح الجزائريين المتظاهرين آنذاك في باريس. وقال مقولته الشهيرة “الثورة الجزائرية هي الوحيدة التي سجنت من أجلها”.
وأشار ساحيلي إلى التعليمات التي أعطيت لرجال الدرك والشرطة بمهاجمة الفرنسيين المسلمين وهي التسمية التي كانت تطلقها السلطات الاستعمارية على الجزائريين.
وتابع أنه تم نقلهم جميعا “تحت ضربات الهراوات” إلى موقف للسيارات بالقرب من ساحة النجمة.
ورأى رابح ساحيلي “ما كان يجب أن نسقط تحت وابل ضربات أعقاب المسدسات على الرؤوس.. كانت الضربات وحشية، لا أكثر ولا أقل”.
وتابع: “كان موقف السيارات مزدحما.. في منتصف الليل تم نقلنا بالحافلة إلى قصر الرياضة، حيث مكثنا لمدة ثلاثة أيام تحت مراقبة الشرطة وحركيين”.
شرطة بتصرفات الوحوش
وأكد أنه خلال أيام الرعب هذه، لم يتلق الموقوفون “التسعة آلاف” في قصر الرياضة سوى “وجبة طعام خفيفة وقارورة ماء”، قبل أن تنقلهم الشرطة إلى “مركز الفرز في فانسان”، بحسب ساحيلي.
وقال رابح ساحيلي في شهادته: “كان هذا المعسكر خاليا من جميع وسائل الراحة.. لا أسرّة ولا مراحيض. نمنا على الأرض في البرد القارس”، موضحا “مكثت هناك لمدة أسبوعين قبل أن يُسمح لي بالعودة إلى المنزل”.
وتابع: “خلال الاعتقالات، رأيت نحو عشرين شخصا ينزفون دما على الأرض بالقرب من ساحة النجمة. كان عدد رجال الشرطة كبيرا جدا ويتصرفون مثل الوحوش الشرسة”.
مجزرة نهر السين
وقال العضو السابق في شبكات جبهة التحرير الوطني المسؤولة عن جمع التبرعات من المهاجرين، آسفا إن “الشرطة ألقت جزائريين، بعضهم أحياء، في نهر السين لكننا لن نعرف العدد الدقيق للجثث التي ابتلعها هذا النهر”.
وأشار إلى أنه حتى قبل 17 أكتوبر، قضى عدد كبير من المناضلين الجزائريين “في مياه نهر السين” خلال حملات للشرطة الفرنسية.
ويذكر الرجل أنه شارك “في إنقاذ ناشط شاب في اللحظة الأخيرة بعدما ألقت به الشرطة في نهر السين بالقرب من محطة توليد الكهرباء في ميناء جونفيليي”.
وأضاف أن الشاب اعتبر ميتا لأنه “كان قد تعرض لإصابات عديدة عندما تمكنا من إخراجه”، لكنه نجا لأنه كان شابا وقويا”.
وبعد الاستقلال في 1962، بقي رابح ساحيلي في فرنسا لمدة عامين، قبل أن يعود إلى بلاده، حيث عمل مع شركة الخطوط الجوية الجزائرية.
ويقدر المؤرخون عدد القتلى بالعشرات على الأقل إن لم يكن 200، بينما لا تتحدث الحصيلة الرسمية عن أكثر ثلاثة قتلى و 11 ألف جريح.
وأعلن الرئيس عبدالمجيد تبون السبت “الوقوف دقيقة صمت كلّ عام، عبر كامل التّراب الوطني بدءا الأحد، في السّاعة الحادية عشرة صباحا، ترحّمًا على أرواح شهداء مجازر 17 أكتوبر 1961 بباريس”.
جرائم لا يمكن تبريرها
من جهته، دان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ما وصفه بأنه “جرائم لا يمكن تبريرها”، خلال مراسم رسمية لإحياء الذكرى الستين للوقائع.
وقال بيان للإليزيه إن رئيس الدولة (الفرنسية) “أقر بالوقائع: الجرائم التي ارتكبت تلك الليلة تحت سلطة موريس بابون (قائد شرطة باريس يومها) لا يمكن تبريرها”.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين