أكدت روسيا تمسكها بالبقاء العسكري في مالي، رافضة دعوات مسلحي الطوارق للانسحاب، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً أمنياً يُعد من بين الأخطر منذ سنوات.

وقال  الناطق باسم الكرملين ديميتري بيسكوف، الخميس، إن وجود القوات الروسية في مالي “مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات”، مشدداً على أن موسكو ستواصل جهودها في مكافحة “التطرف والإرهاب” داخل البلاد.

ويأتي هذا الموقف في أعقاب هجمات واسعة شنّتها جماعات مسلحة تتقدمها عناصر جبهة تحرير أزواد، وُصفت بأنها الأكبر منذ 15 عاماً، استهدفت مواقع حساسة بينها العاصمة باماكو، وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُعد أحد أبرز مهندسي التقارب العسكري مع روسيا.

أزواد تدعو موسكو لسحب قواتها

في المقابل، جدّدت جبهة تحرير أزواد دعوتها لموسكو لسحب قواتها، حيث قال الناطق باسم الحركة محمد المولود رمضان إنهم لا يحملون عداءً لروسيا، لكنهم “مضطرون للدفاع عن السكان” في ظل ما وصفه بالوضع القائم، داعياً السلطات الروسية إلى مراجعة شراكتها مع المجلس العسكري.

وأضاف في منشور على منصة “فيسبوك“، أن أي وجود أجنبي “لا يمكن أن يستقر بشكل دائم دون موافقة السكان الأصليين”، معتبراً أنهم أصحاب الشرعية على الأرض.

ميدانياً، كانت وحدة فيلق إفريقيا التابعة لموسكو قد انسحبت مؤخراً من بلدة كيدال في أقصى الشمال المالي والقريبة من الجزائر، عقب هجمات المتمردين، في مؤشر على تعقّد الوضع الأمني.

وذكرت وزارة الدفاع الروسية هذا الأسبوع أن مقاتلي “فيلق إفريقيا” المُرسلين لدعم المجلس العسكري في مالي أُجبروا على الانسحاب من كيدال.

في المقابل أوضح رمضان أن الروس طلبوا ممرا آمنا للانسحاب.

ومنذ وصول المجلس العسكري إلى الحكم، اتجهت مالي نحو تعزيز علاقاتها مع موسكو، في مقابل تقليص تعاونها مع فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة.

ويخضع “فيلق إفريقيا” لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد حلّ محل مجموعة فاغنر، التي انتهى نفوذها بعد مقتل مؤسسها يفغيني بريغوجين سنة 2023 إثر تحطم طائرة في روسيا.

تحولات ميدانية متسارعة

شهدت مدينة كيدال، شمال مالي، تحولات ميدانية متسارعة خلال السنوات الأخيرة، تعكس طبيعة الصراع المعقد بين السلطة المركزية والحركات الانفصالية.

ففي نوفمبر 2023، أطلق المجلس العسكري المالي عملية عسكرية واسعة بمشاركة عناصر من مجموعة فاغنر، انتهت بسيطرة القوات الحكومية على المدينة، ورفع العلم المالي فوق معاقلها، مع تعيين الجنرال الحاج آغ غامو حاكماً عسكرياً.

وقد حملت تلك الخطوة رسالة سياسية واضحة مفادها سعي باماكو إلى فرض إدارة محلية موالية لها داخل مناطق الشمال.

غير أن هذا التوازن لم يدم طويلاً. فبعد نحو عامين ونصف من تلك العملية، عادت كيدال إلى واجهة التطورات الميدانية، عقب عملية منسقة نُفذت يوم 25 أفريل 2026.

وفي اليوم الموالي، أعلنت الحركات الأزوادية التوصل إلى اتفاق سمح بانسحاب عناصر “الفيلق الإفريقي” التابع للقوات الروسية — الذي خلف “فاغنر” — من المدينة، لتؤول السيطرة عليها “بشكل كامل” إلى المتمردين.

ويعكس هذا التحول عودة الصراع في شمال مالي إلى نقطة حساسة، في ظل استمرار التنافس على النفوذ بين السلطات المركزية والحركات المحلية، وتزايد تعقيدات المشهد الأمني في المنطقة.